من الطبيعي أن يتابع الأردن التطورات السياسية والأمنية في العراق بكثير من الاهتمام المشوب بالقلق، فالعراق الذي كان عمقا استراتيجيا للأردن يواجه خطرا حقيقيا على حاضره ومستقبله ما لم تتمكن قواه السياسية من إعادة صياغة موقفها على أساس وحدة العراق الوطنية والترابية، وهذا ما سعى إليه الأردن منذ سقوط النظام السابق عقب الاحتلال الأجنبي الذي كان سببا رئيسا في الكارثة التي حلت بالشعب العراقي وما تزال .

ولعل الاتصال الهاتفي الذي تلقاه الملك عبدالله الثاني بن الحسين من الرئيس العراقي جلال الطالباني يدخل في نطاق المشاورات المستمرة بين البلدين للبحث عن مخرج مناسب من المأزق الراهن الذي سبق وأن حذر جلالته منه في مناسبات عديدة عندما دعا إلى ضرورة مشاركة جميع أطياف الشعب العراقي في العملية السلمية لتجنب الحرب الأهلية والفوضى الأمنية وغير ذلك مما نراه ماثلا على أرض الواقع بسبب عدم الاصغاء للنصائح التي قدمت لجميع القيادات التي تسنى الحديث معها خلال السنوات القليلة الماضية.

ما من شك أن فشل الاستراتيجية الأميركية في العراق هو السبب المباشر لمعظم المشاكل التي تشهدها الساحة العراقية ، لكن القوى العراقية نفسها تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية منذ أن قبلت بمبدأ المحاصصة السياسية التي أدت إلى تناحر على السلطة وعلى ما يمكن تسميته تجاوزا بالمصالح الفئوية والمكاسب الشخصية ، وتلك هي المشكلة الحقيقية التي تواجه حكومة السيد نوري المالكي وتحول دون نجاحها في تسيير شؤون الدولة ، فالمسألة ليست متعلقة بالكفاءة والقدرة على الانجاز وانما بواقع صعب ومعقد لا يمكن حله إلا عن طريق التفاهم بين الجميع على قاعدة الوحدة الوطنية والمصالح العليا للشعب العراقي كل الشعب العراقي .

إذا اردنا ان نقرأ حقيقة ما يجري من انسحابات من حكومة المالكي فنحن بحاجة إلى مناقشة وجهة نظر جبهة التوافق ذات الطابع السني والجبهة الوطنية العراقية ذات الطابع الشيعي لندرك بعد ذلك وجود تطور في الموقف السياسي نحو المطالبة بالرجوع عن الاجراءات السابقة التي أدت إلى نشوء الوضع الراهن ، أي أن ما نراه اليوم هو نوع من الاعلان عن موقف جديد أكثر من كونه انقلابا على السلطة التنفيذية المتهمة بالتقصير من ناحية وبالسير في نفق لا نهاية له من ناحية أخرى.

ولكن حتى لا تجد القوى العراقية نفسها امام مزيد من الانقسام فإن عليها أن تتحد في الهدف أولا وأن تنتهج اسلوب الحوار مع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء لكي يكون هذا التطور منطلقا نحو التصحيح بدل أن يتحول إلى صراع آخر يضاف على الصراعات القائمة التي مزقت العراق وشعبه وأعطت للقوى الارهابية وفرق الموت الفرصة لكي تصفي الحسابات على نحو من همجية ودموية لا مثيل لها في أي مكان آخر.

لا يخفى على أحد أن القوى التي سحبت وزراءها أو قاطعت جلسات الحكومة هي في الأصل قوى حليفة للولايات المتحدة الأميركية حتى وإن اختلفت معها أو انتقدت سياستها في العراق، ولذلك فإن إمكانية إقامة الحوار بينها ليس صعبا على اعتبار أن ما يجري هو خلاف بين الحلفاء، الأمر الذي يتطلب وضع تصور مشترك للأهداف الثابتة وكيفية إصلاح ما يمكن إصلاحه من أخطاء وربما خطايا الماضي القريب ، ولهم في ذلك مصلحة واحدة، وإلا فهم يعرفون من هو البديل أو الطرف الآخر الذي يزداد قوة كلما ازدادوا ضعفا .