يوم الجمعة الماضي، الثالث من أغسطس، أعلنت وزارة الداخلية الموريتانية الترخيص لثمانية عشر حزباً سياسياً (بالتمام والكمال)، لتنضم هذه الأحزاب الجديدة إلى 35 حزباً سبقتها في حظوة الحصول على الترخيص الحكومي.
الترخيص في حد ذاته، من حيث الشكل، خطوة ايجابية تحسب للسلطات الحالية، ولرئيس الجمهورية بشكل خاص، حيث إن بعض القوى السياسية التي نالت الترخيص، مثل «الإصلاحيين الوسطيين»، ظلت فترة طويلة محرومة من الاعتراف بحقها في العمل ضمن حزب سياسي مرخص قانوناً، رغم أن العديد من قياداتها شاركوا في عدة انتخابات سابقة بصفة «مستقلين»، ومنهم نواب في البرلمان وعمد للعديد من البلديات في مختلف المناطق وفي العاصمة ذاتها!
كما أن للتوقيت دلالته الواضحة، حيث «صادف» الذكرى الثانية لحركة الثالث من أغسطس 2005 التي أطاحت حكم الرئيس الأسبق ولد الطايع، وهو الذي ظل يرفض الترخيص لأي حزب يحمل «الصفة الإسلامية» باعتبار أن الدستور يحظر الأحزاب الدينية، واحتكار الدين من قبل جماعة سياسية دون غيرها من الأحزاب والتنظيمات السياسية الأخرى. وهي الحجة نفسها التي استخدمها المجلس العسكري الذي تولى السلطة بعد ولد الطايع، وظل يرفض الترخيص لـ «حزب إسلامي»، حتى انتهاء فترته الانتقالية.
لذلك، فان الأريحية والانفتاح اللذين تعامل بهما الرئيس سيدي ولد الشيخ عبدالله، سواء في قضية السجناء الإسلاميين وتسريع محاكمتهم وإصدار أحكام مخففة ضد بعضهم بعد تبرئة الغالبية العظمى منهم، أو في مسألة الترخيص للأحزاب بما فيها حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» المحسوب على حركة «الإخوان المسلمين»، كل ذلك يمثل تطوراً ايجابياً في المسار السياسي الوطني و«يؤكد حرص السلطات على إقامة دولة المؤسسات الديمقراطية» كما قال قيادي في أحد الأحزاب المرخصة.
لكن السؤال، إلى أي مدى تتحمل الساحة السياسية الموريتانية كل هذا «الفائض» من الأحزاب؟ وهل يمكن أن تظل هذه الساحة والعاملون فيها متمسكين بالخيط الرفيع الفاصل بين الانفتاح السياسي المرغوب والمطلوب، وبين الفوضى الحزبية؟ وماذا لو امتدت هذه الفوضى إلى الشارع الشعبي وأدت إلى انشقاقات وطنية.. أو في أحسن الأحوال، إلى عزوف المواطنين العاديين عن السياسة والسياسيين؟!
وإذا كان عدد السكان الموريتانيين لا يزيد كثيراً على ثلاثة ملايين نسمة، معظمهم بطبيعة الحال من الأطفال ومن هم دون سن الانتخاب، أو الرشد السياسي، فهل وجود أكثر من خمسين حزباً سياسياً، إضافة إلى نحو عشرة أحزاب أخرى قيد التأسيس، يعني انه سيصبح لكل موريتاني حزبه الخاص؟ أين هي، إذن، القاعدة الشعبية لهذا الحزب؟ ومن الذي يمثله؟ ومن بقي لينتخب مرشحيه أو ممثليه في أي انتخابات محلية أو وطنية قادمة؟!
إن من حق الجميع بكل تأكيد، في أي مجتمع ديمقراطي أو يسعى لذلك، أن يعبروا عن آرائهم ورؤاهم، وان يختاروا الإطار التنظيمي الذي يرونه مناسباً، وفق القوانين والتشريعات المنظمة للعمل السياسي والنشاطات الحزبية.
لكن جمهور المواطنين العاديين الذين يفترض أنهم غاية كل عمل وطني، وهم وسيلته في الوقت ذاته، من حقهم أن ينظر إليهم بجدية أكبر وان تتاح لهم الفرصة الكافية للتمييز بين الرؤى والمواقف الفعلية لمختلف الأحزاب والتشكيلات السياسية، بدلاً من الإغراق في سيل من الأسماء والمسميات التي لا تعبر في كثير منها عن تنوع وثراء سياسي، بقدر ما تظهر هوساً شخصياً أو استهتاراً سياسياً وازدراءً للوطن ومواطنيه.
من هنا نرى أن على القوى السياسية الحقيقية أولاً، وعلى الدولة ثانياً واجب ومسؤولية إعادة النظر في المعايير والأسس التي بموجبها يتم الترخيص للأحزاب، ووضع معايير ومحددات أكثر واقعية ومنطقية لتحديد ماهية الحزب السياسي وشروط إصدار بطاقة ميلاد له، مثل أي مولود طبيعي آخر.
ولعل في الانتخابات البلدية والتشريعية الأخيرة، ما يمكن أن يكون أساساً يصلح لبناء منظومة متكاملة لتعريف الأحزاب والاعتراف بها، ليس من أجل الدعم المالي الحكومي الذي يشترط تمكن الحزب من إحراز ما بين 3 و5% من نسبة الأصوات على المستوى الوطني، وإنما كشرط لمنحه الترخيص القانوني، أو حتى لسحب هذا الترخيص إذا لم يثبت الحزب أهليته لتحمل المسؤوليات السياسية والوطنية المترتبة عليه.