ما إن حطت بنا الطائرة في مطار الملك فهد الدولي بالدمام، قبل أسبوعين، حتى أطلقت ابتسامة عريضة، على غير عادتي، فرحاً ومستبشراً بما ظننته أهم صور التعاون حتى اليوم بين دول مجلس التعاون الخليجية: لا حاجة لجواز السفر عند التنقل بين المملكة ودولة الإمارات العربية المتحدة.
كدت أزاحم المسافرين، عند الخروج من الطائرة، من شدة حماسي لخوض التجربة الأولى بعد تفعيل القرار التاريخي باستخدام البطاقات الشخصية عند التنقل بين الإمارات والسعودية.
وحينما وصلت إلى كاونتر الجوازات، قلتها بصوت عال: أنا قادم من دبي ثم أخرجت بطاقة الأحوال المدنية ممنياً نفسي بأن يطيل الله في عمري عشرين سنة قادمة عسى أن أعيش تجربة سفر مماثلة بين بلادي السعودية ودولة خليجية أخرى، من دون جواز سفر.
كان عسكري الجوازات يسألني: هل لديك بطاقة الأحوال الجديدة؟ قلت: لا، وأضفت: كل المعلومات المطلوبة موجودة هنا في بطاقة الأحوال: اسمي ومكان ميلادي ومصدر البطاقة وتاريخ صلاحيتها، لكنه، بلطف، شرح لي أن نظام العبور من دون جواز السفر يتطلب إصدار النسخة الجديدة من بطاقة الأحوال، ثم طلب جواز سفري.
شكرت الله أنني حملت جواز سفري معي، فقد كدت أن أسافر من دونه تعبيراً عن تقديري لهذه الخطوة الرائدة من التعاون بين دولتين مهمتين من دول مجلس التعاون. لم لا ونحن، في دول المجلس، ننظر بشغف لأي بادرة حقيقية للتعاون الإيجابي تطال إنسان المنطقة بالدرجة الأولى؟
تخيلت مصيبتي لو أنني سافرت من دون جواز السفر.. الذي لا أحتاج عادة لإبرازه لموظف الجوازات في دبي، والفضل يعود لمن قرر وضع المنافذ الإلكترونية في مطار دبي: كيف يمكن إقناع موظفي الجوازات في الدمام أنني ظننت أن بطاقة الأحوال تغني الآن عن جواز السفر عند التنقل بين الإمارات والسعودية؟ ربك ستر!
غير أن ما أثلج صدري وعوضني عن خسارة السفر من غير جواز سفر، هو أن موظف الجوازات لم يختم على جواز سفري. معقولة؟ نعم: معقولة ونصف. قال لي موظف الجوازات انه يسجل المعلومات في الجهاز وفقط.
سألت: هل كنت ستعمل نفس الشيء لو كان عندي النسخة الجديدة من بطاقة الأحوال؟ أجاب: نعم. سألت مرة أخرى: يعني ببطاقة أحوال جديدة أو بدونها، سأتوقف عند موظف الجوازات عند قدومي من الإمارات أو سفري لها؟ أجاب: نعم.
إذن ما الفرق بين هذا الإجراء قبل الإعلان عن هذا المشروع وبعده؟ قال: الختم وعندها تنفست الصعداء وأدركت سر القرار ومنفعته العظيمة: توفير الأختام! فأنت ببطاقة أحوال جديدة أو بدونها ستضطر للتوقف أمام موظف الجوازات لتسجيل بياناتك على الجهاز قبل أن تغادر صالة الوصول، لكنك، والحمد لله، ستوفر مساحة صغيرة في إحدى صفحات جواز سفرك كانت ستشغل بالختم.
وهكذا، وبعد سنوات طويلة من الحديث الكبيرعن التعاون وضرورة كسر الحواجز بين دول مجلس التعاون، تثمر الجهود الجبارة بتوفير مساحة مهمة من جوازات مواطني الإمارات والسعودية كانت تملأ بالأختام.
وفي هذه الخطوة الرائدة منافع كثيرة أقلها تخفيف الضغط على عضلات شباب الجوازات في البلدين وتوفير جهد رفع الختم إلى فوق قبل النزول به، كالمطرقة، على جواز السفر المقدس، إضافة إلى هذه المنحة الكريمة لمواطني البلدين الشقيقين، سيتم أيضاً توفير ميزانية «الحبر» للأختام عند المنافذ البرية والجوية، ولعل تلك الميزانية التي وفرناها الآن تتجه لدعم التعليم أو الصحة في البلدين الشقيقين، هكذا يكون التعاون بين دول التعاون وإلا فلا، خاصة بعد عقود من الوعود الكبيرة والكلام الكثير عن أهمية التعاون والانفتاح على بعض.
إن هذه الخطوة المهمة تعكس، من ضمن ما تعكسه، وعي أصحاب القرار في دول المجلس الموقر بأهمية العمل المشترك، خاصة وأن المخاطر تحيط بالمنطقة من كل اتجاه فهل يعقل أن ننشغل بختم جوازات أبناء البلدين في ظل التهديدات النووية والحروب الطائفية والتهديدات الخارجية التي تحيط بنا من كل صوب؟
في مطار دبي، وأنا عائد بعد التجربة المثيرة في الدمام، ذهبت، مثل المئات من القادمين، إلى بوابات البطاقة الإلكترونية حيث لا تحتاج أن تتحدث مع أحد ولا تحتاج لختم جواز سفرك، تمر بهدوء وبدون قرارات عليا من مجلس التعاون أو غيره.
وسألت: إن عز على مواطني دول مجلس التعاون المرور في مطارات بلدانهم من دون المرور على موظفي الجوازات، ألا يمكن الاقتداء بدبي وإنشاء بوابات إلكترونية توفر على المسافر وقت الانتظار عند الجوازات وتريح أذنه من أصوات أختام الجوازات وأسئلة موظفيها المزعجة أحياناً؟
آمل ألا أكون بمثل هذا الاقتراح قد أسأت لهيبة الدولة، أي دولة في مجلس التعاون الموقر، ومكانتها أو أمنها، فأنا وابصم على ذلك بالعشرة، لست سوى مواطن عربي أحد أحلامه أن يرى أمته تتجاوز البيروقراطية التي قيد بها العربي عقله وحياته، وتنطلق إلى آفاق أرحب من التعاون والتلاقي!
رئيس تحرير مجلة فوربز العربية