وصلتني رسالة من إحدى القارئات الكريمات تتحدث فيها عن اهتمامها بقضية اللغة الأم، وقلقها على أبنائها من أن يفقدوا القدرة على التواصل بها، واستعمالها استعمالاً طبيعياً في كل مواقف حياتهم.

وعلى قدر ما أسعدتني رسالتها فقد أحزنتني في الوقت نفسه؛ فهذه الأم العربية كانت تعيش هي وأسرتها في أحد البلاد الغربية، ولكنها آثرت عليها دولة عربية من باب حرصها على أن يتعلم أبناؤها لغتهم الأم، ولا ينقطعوا عن جذورهم وأصولهم، ولكنها تقول إنها بعد قدومها إلى دولة الإمارات لم تشعر بالفرق الكبير الذي يجعلها تطمئن إلى أنّ أبناءها سيحظون بفرصة تعلم العربية كما كانت تأمل.

وتقول إنه على الرغم من أن الحال هنا أفضل فهناك مادة للغة العربية في المدرسة، إلا أن اللغة الإنجليزية لها الكفة الراجحة، فهي لغة التواصل بين العربي وغير العربي هنا.

وتذكر في رسالتها أن إحدى الأمهات اليابانيات أخبرتها أنها قضت في اليابان ستة أشهر تتعلم العربية قبل أن تنتقل للعيش في الإمارات، ففوجئت بأن الجميع هنا يتحدث الإنجليزية، فأدركت أنها لو قضت كل هذه المدة تتعلم الإنجليزية لكان أفضل لها!

لقد بدا واضحا من رسالة هذه السيدة الفاضلة أنها حريصة على أن تساعد أبناءها على تعلم لغتهم الأم، فهي تتحدث إليهم بالعربية كما تقول، وهذا وحده دليل على أنها تدرك ما للغة من أهمية كبرى في حياة الناس.

إنّ الأمر يسبب الكثير من الحيرة والاضطراب خاصة عند أولياء الأمور الحريصين على أن يتقن أبناؤهم لغتهم الأم مع حرصهم على أن يتعلموا لغة ثانية.

فهل تعلم لغتين، اللغة الوطنية ولغة ثانية قد يؤثر سلبا على الأطفال؟ أم أنه أفضل لهم ولمستقبلهم المهني حين يكبرون؟

تبين الدراسات التي أجريت لمعرفة قدرة الأطفال الصغار على اكتساب لغتين أو أكثر أنّ الأطفال يظهرون قدرة عالية على اكتساب لغتين في سن مبكرة، بشرط أن تلقى اللغتان دعما متساويا من قبل الأفراد المحيطين بالأطفال ومن قبل المجتمع، فقد يحجم الصغار عن استخدام لغتهم الوطنية إذا كان محيطهم يتجه بقوة نحو اللغة الثانية ويدعمها دعما قويا.

ولذلك يجب على العاملين في مجال تنشئة الأطفال وتعليمهم في الرياض والمدارس أن يكونوا على وعي بحساسية هذه النقطة، وأن يتلقوا تعليما عاليا يؤهلهم للتعامل مع الصغار في محيط يتجه إلى تعليمهم لغتين في آن واحد. فالأطفال الصغار لديهم القدرة على التقاط الرسائل غير المباشرة التي تصلهم من الآخرين والتصرف على أساسها، فقد يدرك الأطفال سريعا أن لغتهم ليست بذات الأهمية التي تتمتع بها اللغة الثانية، فيبدؤون بالتخلي عنها في محادثاتهم ومخاطبتهم اليومية، فإذا لاقى ذلك استحسانا من الأسرة والمدرسة ترسخت هذه الفكرة في عقولهم الصغيرة، ودفعتهم هذه الضغوط الصامتة إلى النظر إلى لغتهم على أنها ليست محل تقدير، فلا تثريب عليهم إن تخففوا منها وقللوا من اهتمامهم بها.

وإذا بدأ الصغار يتخلون عن لغتهم الأم في تفاعلهم الاجتماعي مع المحيطين بهم من أفراد الأسرة والأصدقاء والعاملين في المدرسة، فإن ذلك قد تكون له آثار سلبية وضحتها كثير من الدراسات التي أجريت على أثر إقصاء اللغة الأم لمصلحة اللغة الثانية في التعليم المبكر، ويستطيع القارئ أن يجد إشارات موجزة عن مثل هذه الآثار في كتاب الأطفال في السنوات المبكرة وكيف ندعمهم.. الهوية، التنوع، اللغة لإيرام سيراج وبلاتشفورد برسيللا كلارك، والكتاب من منشورات مجموعة النيل العربية.

ولعل فقد فرص النمو المعرفي المتواصل يعد من أهم تلك الآثار التي قد يواجهها الصغار في بداية رحلتهم التعليمية، فالأطفال يبدؤون نموهم المعرفي في البيت منذ اللحظة التي يستطيعون فيها استخدام اللغة في التواصل مع الكبار استقبالا وإرسالا، فإذا كانت اللغة التي يتكلمون بها في البيت هي لغتهم الأم، فإن نموهم المعرفي سيكون بواسطة هذه اللغة، ولكنهم حين ينتقلون إلى عالم المدرسة الذي يفرض عليهم استخدام اللغة الثانية في تعلم مواد أساسية في المنهاج فإن ذلك من شأنه أن يحدث انقطاعا في النمو المعرفي عندهم.

فتعلم لغة ثانية إضافية منذ الصغر لا يشكل خطرا على الأطفال، بل إن له فوائد إيجابية إذا أحسن تطبيقه، وإذا لم يطغ على اللغة الأم التي يجب أن تحظى بالأهمية القصوى في برنامج الطفل التعليمي؛ فقد حددت الدراسات بعض إيجابيات تعلم الأطفال لغة ثانية من مثل ارتفاع مستوى احترام الذات، واكتساب اتجاهات إيجابية نحو تعلم اللغات، والمرونة المعرفية، وازدياد القدرة على حل المشكلات.

هذا إذا حصر تعلم اللغة الثانية في مادة خاصة بها لا يتجاوزها إلى مواد أخرى في المنهاج، حتى يترسخ في ذهن الطفل كون هذه اللغة لغة إضافية، وليست لغة منافسة قد ترقى إلى مستوى لغته الأم، وقد تتجاوزها، خاصة في المجتمعات التي يتصرف فيها الكبار على نحو يتجه نحو احترام اللغة الثانية وتقديرها أكثر من اللغة الأم التي اكتسبها الصغير في بيته.

ولذلك فإن فقد الألفة والمودة النابعة من التفاعلات المشتركة بين الأطفال وأفراد أسرتهم يعد أثرا آخر من آثار فرض اللغة الثانية على الصغار في مراحل تعلمهم الأولى، فكثير من الآباء والأجداد يجدون أن الألفة والمودة بينهم وبين أفراد أسرتهم نابعة من اللغة التي يعرفونها حق المعرفة... لغة القلب، ويشعرون أنّ العواطف والتفاعلات تكون باردة ومتكلفة إذا لم يشتركوا فيها مع أسرهم بلغتهم.

ومن أقوى الآثار التي يذكرها الباحثون في هذا المجال فقد الشعور بقيمة الذات؛ فالأطفال حين يشعرون بأن لغتهم ليست موضع احترام وتقدير من قبل الكبار، وليس لها حضور كبير في الحياة اليومية سيفقدون الإحساس بقيمتها وقيمة الثقافة التي تحملها، وستساورهم الشكوك حول أنفسهم ومجتمعهم، فيرون أنفسهم أقل من الآخرين أصحاب اللغة الرائجة، ويرون الآخرين متفوقين عليهم دائما وأبدا.

فليست المسألة أن يتعلم الصغار لغة ثانية أو ثالثة بجانب لغتهم الأم، وإنما المسألة كيف يتعلم الصغار هذه اللغات؟ وأين توضع في منهاج من المفروض أن يبنى على تقدير الذات والثقافة الوطنية واللغة الأم؟

تحضرني هنا كلمة قالها أحد أعضاء اللجنة التنفيذية لمؤسسة اللغة الوطنية في الكاميرون: حين يتخلى الناس عن ثقافتهم الوطنية (واللغة أهم مظهر من مظاهر الثقافة) إنهم يتخلون في الحقيقة عن الشيء الذي يميزهم عمن سواهم في مقابل أن يملكوا شيئا لن يملكوه أبدا. حين نأخذ ما هو من خارجنا مفترضين أنه الأفضل لنا فإن ذلك يجعل حالنا أسوأ.

جامعة الإمارات

Ltfibrahim@yahoo.com