أعرب البطريرك الماروني اللبناني الكاردينال نصر الله صفير أخيرا، عن ألمه وقلقه لما يعصف بالصف المسيحي في لبنان من صراع وتشرذم. قال البطريرك صفير: «يؤلمنا أن يكون المسيحيون في لبنان منقسمين على ذواتهم، لأن أي بلد في العالم لا يمكن أن ينهض إلا إذا تضافر أبناؤه».
وقال مشيرا إلى هجرة المسيحيين من لبنان: «إن ما يؤسفنا في هذه الأيام أن الكثيرين من الشبان الذين يتخرجون من الجامعات لا يجدون عملا في لبنان، يضطرون إلى الذهاب، إما إلى البلدان العربية، وإما إلى أوروبا أو إلى أبعد من ذلك، والخبرة تدل على أن الذين يذهبون إلى البلدان العربية أو إلى أوروبا يعودون مرة أخرى إلى لبنان، ولكن من يذهب إلى أستراليا أو إلى الولايات المتحدة الأميركية أو كندا يصعب عليه المجيء ويستقر هناك هو وعائلته، ولكن هذا مؤلم أن ينشيء لبنان أجيالا من المتعلمين الشبان ولا يمكنه أن يستوعبهم، ولا يوجد لهم عملا يفيدون فيه بلدهم، ويفيدون به من جاورهم من بلدان.
يبدو مما تقدم أن معركة الانتخابات النيابية الفرعية التي شهدتها مناطق جبل لبنان قيل ثلاثة أيام، بين الرئيس الأسبق أمين الجميل وكميل خوري مرشح التيار الوطني الحر الذي يتزعمه العماد ميشال عون، قد أسهمت كثيرا في نكء الجرح المسيحي، وأعادت فتح ملف الصراع المسيحي ـ المسيحي والتراجع الذي أصاب حضور المسيحيين ودورهم في لبنان خلال الحرب اللبنانية ابتداء من العام 1975.
والذي تصاعدت حدته ووتيرته بعد الانقسام الكبير الذي أحدثه ما سمي بـ «حرب الإلغاء» بين الجيش اللبناني بقيادة عون والقوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع في العام 1990، حين أدت التطورات التي أعقبت هذه الحرب، والتي شهدت نفي عون إلى فرنسا في العام 1991، ثم دخول جعجع السجن عام 1994، إلى سيادة مصطلح «الإحباط» في الشارع المسيحي، وهو المصطلح ذاته الذي كان وراء المساعي التي قامت بتغيير المعادلات وأدت مجددا إلى السماح بعودة الجنرال عون إلى لبنان في مايو 2005، ومن ثم إلى إطلاق سراح جعجع في أغسطس من العام ذاته.
وفيما يشبه المسيحيون الأجواء التي سادت خلال الأيام القليلة الماضية، بأجواء «حرب الإلغاء» التي يقولون إنها دمرت وحدة المسيحيين، فإن كل المؤشرات ترجح أن ملف الصراع القائم حاليا في صفوف المسيحيين، سيبقى مفتوحا على كل الاحتمالات والتطورات حتى ما بعد انتخابات رئاسة الجمهورية في لبنان، ويواكب هذه المؤشرات شبه إجماع بين المسيحيين بأن واقعهم السياسي اليوم بات مهترئا.
وإذا كان هناك من يحمل مسؤولية هذا الاهتراء مجددا للجنرال عون، فإن الأغلبية ترى أن المرحلة مصيرية وتفترض الابتعاد عن التراشق بالاتهامات، وأن الحاجة الأساسية الآن هي لوحدة الصف المسيحي، وأن التعددية القيادية والحزبية والتوزع السياسي لم تعد مظهرا من مظاهر الديمقراطية داخل هذا الصف، حيث لا فائدة ترتجى من الديمقراطية متى طالت التهديدات الوجود والمصير.
ويرى مرجع فكري مسيحي أنه إذا لم ينتبه المسيحيون إلى حقيقة المرحلة الراهنة التي يمر بها لبنان والمنطقة، فإنهم سيدفعون ثمن الصراعات الإقليمية والدولية، وسوف يخسرون دورهم الرائد في لبنان، ويشير إلى أن التاريخ القريب والبعيد يقدم أكثر من واقعة عن شعوب كانت أقوى من المسيحيين واندثرت، وعن شعوب كانت مهيضة الجناح وتحولت إلى قوة كبرى. ويضيف أن ما يمكن وصفه اليوم بالوضع المهترئ الذي يعاني منه الصف المسيحي، يمكن أن يشكل بداية حل إذا ما أقرت القيادات المسيحية بذلك.
ولا يبدي المرجع اعتراضا على تحالف فريق مسيحي مع آخر سني أو شيعي، طالما أن الطائفية تحكم التركيبة اللبنانية، ولكنه يشترط أن تكون هذه التحالفات جزءا من استراتيجية مسيحية لبنانية شاملة ومتفق عليها، وتضع شروطا وطنية مصيرية لتحالفاتها، لا أن تأخذ هذه التحالفات شكلا آنيا وعشوائيا على خلفية طموحات سياسية فئوية لا تصب في سياق استراتيجية وحدة المصير والتمسك بالهوية وتعزيز الحضور.
ويحذر المرجع الفكري من أن انخراط المسيحيين في أتون الحرب الأهلية في العام 1975، كان مؤشرا على تمسكهم بلبنان وبالهوية اللبنانية، ولكن ابتداء من العام 1990، ونتيجة لـ «الإحباط» الذي أصابهم به الاقتتال المسيحي، بدأوا يفقدون تدريجيا شعورهم المعهود بالانتماء، وراحوا يبحثون عن مخارج تمثلت إما بانطوائهم على أنفسهم داخليا، وإما بالهجرة والهروب، وقد اتخذت هجراتهم أحيانا شكلا جماعيا وعائليا، لا سيما لمن اختار الهجرة البعيدة والتي لا عودة منها إلى الوطن.
ويسود الاعتقاد اليوم بأنه إذا كانت وتيرة الهجرة المسيحية من لبنان قد زادت نتيجة الغموض السياسي الذي أحاط بالمصير الوطني في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، فإن إطلاق سراح قائد القوات اللبنانية سمير جعجع وعودة الجنرال ميشال عون من منفاه الفرنسي، وخروج القوات السورية من لبنان، شكلت جميعها عوامل أوقفت استقالة المسيحيين من دورهم اللبناني وإن على مضض، إذ يرى المرجع أنه مع تكرار الهزات الداخلية أصبح تمسك المسيحيين بهويتهم اللبنانية هشا، لا سيما أنهم، بتوجهاتهم الاقتصادية وبنزوعهم الدائم نحو العمل الحر، ابتدعوا بدائل خارجية يلجأون إليها كلما هدد عدم الاستقرار وجودهم.
ولذلك فإن المرجع الفكري يرى أنه إذا ما اتخذ الصراع المستجد بين حزب الكتائب والقوات اللبنانية من جهة، والقوة المسيحية الجديدة المتمثلة بالعماد ميشال عون من جهة أخرى، منحى من شأنه أن يتسبب في تهميش دورهم وفاعليتهم في القرارات اللبنانية المصيرية كاختيار شخص رئيس الجمهورية مثلا، فإن الخطر يكمن في أن يغادروا لبنان، لا أن يعمدوا إلى حمل السلاح مجددا، كما تحاول بعض الفئات الترويج له. ويشدد المرجع على أن المسيحيين اليوم، وأكثر من أي يوم مضى، ليسوا في وارد حمل السلاح، لا بل على العكس فهم ينشدون سلاما لبنانيا نهائيا يقضي بنزع السلاح من جميع الفئات اللبنانية.
ويخلص المرجع مشيرا إلى أنه في خضم الانقسام المسيحي ـ المسيحي في لبنان، وفي العام 1997 وقف البابا الراحل يوحنا بولس الثاني خطيبا في الوسط التجاري في العاصمة بيروت، ليقول لمئات الألوف من اللبنانيين المسيحيين جاءوا يشاركونه الصلاة: «إن لبنان هو أكثر من وطن.. لبنان رسالة».
وإذا كانت هذه الجملة قد شكلت يومها دعوة إلى المسيحيين لوقف الهجرة والتمسك بلبنان، فإن الوقائع تشير إلى أن الخطر المحدق بهذه الرسالة يستدعي العودة إلى صياغة استراتيجية وثوابت جديدة، ليس لحماية الرسالة فقط، وإنما لحماية وحدة جميع اللبنانيين ولحماية مصير الوطن اللبناني.