قال لي صديق أعتز برأيه.. معلقاً على ما أكتبه أحياناً في جريدة «البيان»، إن الفرق بين الكاتب العربي والكاتب الغربي هو أن الأول ينتقد فقط، بينما الثاني ينتقد ويقترح، وتابع أنا أقرأ لك وألاحظ أن كتاباتك غالباً ما تكون نقدية دون أن تطرح بدائل أو حتى وجهة نظرك، لكني لا ألومك فهذه حالة الكُتاب العرب بشكل عام.
وبما أن رأيه يشمل الكتاب العرب فإني قلت له كما أقول دائماً، فأنا لست كاتباً ولا محللاً، إنما مواطن عربي يعبر عما يجيش في صدره، ويتفاعل مع الواقع الذي يعيشه، ومع حالة التمزق والانشقاق والخلافات المستمرة في وطننا العربي، والتي فرضت عليه منذ زمن ولا بوادر تدل على قرب نهايتها.
كما أعبر نيابة عن مجموعة من المواطنين العرب الذين يتأثرون مثلي بما يجري حولهم، وهذا ما تقوله الرسائل التي تصلني عبر البريد الالكتروني. وغالباً ما أطرح وجهة نظري في أغلب المواضيع التي أكتبها. مع ذلك ارتأيت أن طرح صديقي لهذا الموضوع يستوجب الكتابة، لأن واقع الكاتب العربي مختلف تماماً عن نظيره الغربي، وبالذات الأميركي، فالعرب يشكلون دولاً، وليسوا دولة واحدة كأميركا، وكل دولة لها وضعها وسياستها وقوانينها، وإن كانت في مجملها متشابهة.
والكاتب العربي عامة رغم أنه يطرح رأيه بحرية وحيادية، لكنه يعرف أن عليه ألا يتجاوز الخطوط الحمراء التي تفرضها حكومته، وإن حصل وطفح كيله منها فقد لا يجد نفسه معاقباً أو محروماً من حقوقه فحسب، وإنما مجرداً حتى من أصغر مقتنياته وأقواها وهو قلمه، إذ قد يمنع من الكتابة أو يسجن بسببها، عكس الكاتب الأميركي الذي تكفل له حكومته ممارسة حريته بكل أشكالها دون حواجز أو ضغوط، بل وإن لزم الأمر قد تدافع عنه أو تحارب من أجله حتى وإن كان ضد سياستها، لذلك من الطبيعي أن يمتلك الكاتب الأميركي حرية النقد والاقتراح لأنه يمارسها بإيصال صوته بقوة إلى جميع فئات المجتمع.
لذا من الظلم مقارنة إعلاميي الغرب بزملائهم العرب الذين كما يعرف الجميع واجهوا ويواجهون بشكل متواصل التضييق والتهديد وحتى الإيذاء من هذا الطرف أو ذاك، عندما يتعرضون في كتاباتهم لموضوع أو قضية فوق المساءلة أو حتى النقد كما هي الحال دائماً، حتى لو فعلوا ذلك شكلياً دون الدخول في التفاصيل أو إبداء رأيهم، لأن عقلية معظم أصحاب السلطة العرب لا تقبل برأي مخالف لرأيها، لأنهم وحدهم مخولون ومؤهلون لمعرفة مصلحة الوطن، وهم دائماً على حق ومن يخالفهم أو ينتقدهم على باطل، ويسعى لنشر البلبلة أمام الرأي العام، ويكره مصلحة المجتمع، ويهدد استقرار أمن الوطن، لذا أبسط ما يقومون به هو إصدار قرارات بتوقيفهم، والزج بهم في المعتقلات والسجون، لكتم أصواتهم وكسر أقلامهم، ليكونوا عبرة لزملائهم فيتعظوا أو يكفوا عن توريط أنفسهم بكتابة الحقائق وتوعية المجتمع.
فهل تصادف وسمعنا أو رأينا كاتباً أو صاحب رأي يحاكم أو يسجن في الدول الغربية بسبب كتاباته أو آرائه؟ مع الأسف هذا هو التعامل الأمثل والسائد في معظم الدول العربية، وهو يعكس الصورة القاتمة للحريات الإعلامية فيها، والتضييق والانتهاكات التي يتعرض لها صاحب الرأي إذا مارس حرية إبداء رأيه، عكس أميركا والدول الغربية التي تحترم الرأي الآخر، والكاتب الصحافي عندها صاحب رسالة وهدف، مثله مثل أي مسؤول، لذا يسمح له بالعمل بحرية دون قيد أو شرط، لأن لا أحد فوق المساءلة أو الخطأ عندهم عكس المسؤولين العرب الذين ماداموا على كراسيهم فهم معصومون من الخطأ!!
ففي الدول الغربية يدرك المسؤولون والساسة أن الدور الإعلامي مهم وضروري، بل إنهم قبل حملاتهم الانتخابية يدرسون كيفية التعامل مع الإعلام الذي بإمكانه أن يرفعهم أو يسقطهم، لذا فهم غالباً ما يلتزمون بما وعدوا به بعد وصولهم إلى كراسي الحكم، لأنهم يعرفون تماماً أنهم في المنصب لفترة محددة، ليخدموا مصلحة الوطن والشعب الذي اختارهم، ولابد من تركه في يوم ما، فحسناتهم وسيئاتهم محسوبة عليهم بكل دقة عبر التاريخ، وتحت مجهر الإعلام الذي يراقب خطواتهم إلى أن يعودوا مواطنين عاديين بين الملايين.
إذن فالفرق شاسع بين من يحكم بهذا المنطق ويتعامل بهذا الأسلوب، وبين من يعتقد أنه أعرف العارفين وأنه باقٍ إلى ما لا نهاية!! هذا هو الواقع يا صديقي، فالكتاب العرب رغما عنهم عندما يكتبون في موضوع ما، يراعون كل الظروف المحيطة بهم، وهم يكتبون وعيونهم تراقب أقلامهم قبل الآخرين، حتى وإن استطاع بعضهم القفز فوق الحواجز والعقبات، فإنه لا يستطيع كتابة كل شيء بحرية تامة داخل وطنه، وإلا أصبح من المغضوب عليهم.
في ظل هذا الوضع كيف تعتقد أنهم يستطيعون أن يكونوا كزملائهم في أميركا والدول الغربية؟
فقبل أن نطالبهم بذلك، علينا أن نغير مفاهيمنا وعقلياتنا، التي تسيطر عليها نظرية «أن من جاملنا فهو معنا، ومن انتقدنا أو أبدى رأيه فينا بما لا يعجبنا فهو ضدنا» فأغلبية الدول العربية مازالت تعيش بهذه العقلية، عقلية العصور الوسطى، عقلية المحكوم والحاكم الذي لا يخطئ، ولا بديل له.
والذي شعاره الدائم «إما أن تكونوا معي بكل أخطائي وإلا فأنتم لستم ضدي فقط، إنما ضد الدولة والشعب»!! لا كمن يعيش في القرن الواحد والعشرين، قرن العولمة والتكنولوجيا المتطورة، قرن الفضائيات المنتشرة التي ترصد كل كبيرة وصغيرة، وتتكفل بنشر أخطائنا وعيوبنا عبر الأقمار، قرن الحوار وتقبل الرأي الآخر، فمتى تتحرر عقولنا لنقبل به؟؟!!
كاتب إماراتي
