لعلّ من عجائب هذا الزمن الرديء، أن تتسلط إدارة على منطقتنا لا همّ لها إلا كيفية استرضاء إسرائيل.. ولعل الأعجب في هذه الإدارة ذلك الإصرار على السير في الاتجاه المعاكس لتطلعات شعوب المنطقة، وهي تتشدق بالعدالة والحرية وما إلى ذلك من الشعارات البراقة التي تضمر خلفها ما تريده شركات النهب، الشريك الصدوق لهذه الإدارة من خلف الكواليس.
بعد الفشل الذريع لإدارة بوش في العراق وما جرّته من كارثة على هذا البلد العربي ومحاولاتها تحميل العراقيين مسؤولية هذا الفشل والضغط عليهم لإنجاح العملية السياسية.. تتجه أنظار الرئيس بوش الآن لتعويض هذا الفشل «بنجاح» يُسجل لإدارته في الفترة المتبقية لها من خلال إشعال المنطقة بتجاذبات سياسية عن عملية سلام مبهمة، حُددت بعض معالمها المنقوصة على أنها تخص العرب المعتدلين المتحالفين مع الولايات المتحدة!
هكذا بكل بساطة يُختزل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وتدخل إسرائيل في حلف الاعتدال العربي، أي من «أهل البيت» ويصبح الخلاف معها على أشياء هامشية كبضعة أمتار من الأرض هنا أو هناك وتعويضات مالية لحل أمور إشكالية أخرى.. أي استبعاد كل مكونات الصراع من أرض محتلة وحقوق مشروعة لشعب مضطهد ومشرد في مختلف بقاع العالم، ومن ثمّ استبعاد قرارات مجلس الأمن وحق العودة ومبادئ مؤتمر مدريد ومبدأ الأرض مقابل السلام وحتى خريطة الطريق المبتورة.. لماذا؟ لأن إدارة بوش تفتّق ذهنها الآن عن خريطة جديدة وفرصة للسلام يفترض بالعرب اغتنامها قبل أن تضيع مع انتهاء الـ17 شهراً المتبقية في عمر هذه الإدارة العجيبة.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو: ما السر خلف هذه الاندفاعة الأميركية المفاجئة تجاه السلام؟
ألم تتحدث هذه الإدارة عن السلام منذ استلام مهامها قبل ست سنوات ونيف؟ وأين وعد بوش الذي مضى عليه حتى الآن أكثر من سنتين عندما أعلن التزامه بتحقيق دولة فلسطينية مستقلة ذات حدود معترف بها ومتواصلة جغرافياً؟
ثم لماذا تقسيم العرب إلى معتدلين وغير معتدلين إذا كانت النيّة سلاماً شاملاً وعادلاً في المنطقة يعود بالخير على الجميع وينهي أزمة تواطأ الغرب والولايات المتحدة تحديداً عليها منذ أكثر من ستين عاماً وحتى الآن؟
لا نريد استباق الأمور فالخريف موعد الاجتماع الموعود على الأبواب، إلا أن المعطيات والوقائع تؤكد أنه ليس في نية إدارة بوش إلا تعزيز التحالفات الأميركية في المنطقة والانتهاء من المخاض العسير لولادة الشرق الأوسط الجديد.
