في الزيارة الأولى التي جمعت الحليفين التقليديين التاريخيين وآخر أركان الحلف الرباعي الأطلسي في العدوان على العراق، الإنجليزي رئيس الحكومة غوردون براون والرئيس الأميركي جورج بوش، بدا للمراقبين في الصحف البريطانية والأميركية أن شيئاً ما قد تغير في علاقة هذا التحالف الاستراتيجي عما كانت عليه طبيعة العلاقات الثنائية والشخصية في عهد توني بلير.
وربما بدا ذلك للجميع إشارة واضحة لأشياء أخرى تتغير تحت السطح، تقود في الغالب نحو تغير أساسي كبير هو قرار بريطاني بات متوقعاً في ظل الحكومة الجديدة بعد تنحية «بلير» بسحب القوات البريطانية من العراق، إعلانا بتمام سقوط ذلك الحلف بعد سقوط كافة الحجج الكاذبة لشن الحرب العدوانية، ونتيجة لسقوط عشرات الآلاف من القتلى والجرحى لقوات هذا الحلف، وهروبا من شبح الهزيمة الذي بات يطارد قوات الاحتلال الأنجلو ـ أميركي بفعل المقاومة الشعبية العراقية.
والتبدلات السياسية التي طرأت على الخريطة الأوروبية في أعقاب سلسلة الانتخابات البرلمانية على مدى السنوات القليلة الماضية، بدءاً من اسبانيا ومروراً بإيطاليا وألمانيا ونهاية ببريطانيا، لا شك أنها تستدعي الرصد والقراءة.
واللافت أن معظم هذه التغييرات التي جرت في ظل انتخابات نزيهة، على خلاف معظم الانتخابات العربية، تمكننا بسهولة من قراءة اتجاهات الرأي العام الأوروبي عربياً وأميركياً.
عربياً رفضا للعدوان، وأميركيا رفضا للتبعية، حيث لعب موقف التحالف الأوروبي الأميركي للعدوان على العراق دوراً أساسياً في تغييرات عدة على الخريطة السياسية الأوروبية، أبرزها ذلك الحلف العدواني الذي عقد في أسبانيا في بداية عام 2003م، والذي ضم مع الرئيس الأميركي بوش رئيس الحكومة الإسبانية أزنار، والإيطالية برلسكوني، والبريطانية بلير.. تحالف الأربعة الأطالسة والذي سقط الآن.
ورغم المظاهرات الشعبية المليونية التي عمت عواصم تلك الدول الأوروبية في مدريد وروما ولندن، والتي طافت شوارعها تهتف ضد الحرب على العراق، حتى قبل أن ينكشف بشكل فاضح كذب المزاعم حول امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، كان الإصرار الرباعي على شن الحرب بحجج واهية هو القرار الوحيد.
فماذا جرى لهذا التحالف وأين هؤلاء الأربعة الآن؟
لقد سقط هذا التحالف الآن بفعل وعي وإيجابية وفاعلية الرأي العام الشعبي الأوروبي، وبفضل ما توفره الديمقراطية الغربية لشعوب الغرب، على خلاف ما لا يتوفر لشعوب الشرق، من آليات دستورية وقانونية تضمن حرية التعبير وحرية الترشيح وحرية التصويت، بغير إقصاء أو قمع وبغير تزييف أو تزوير.
وبدأ مسلسل التداعي والسقوط لهذا الحلف بإسقاط الجماهير الإسبانية الواعية لحزب «أزنار» حليف «بوش»، واختار الشعب بإرادة حرة ثباتيرو وحزبه لتشكيل الحكومة الحالية، ليكون أول قراراتها هو سحب القوات الإسبانية من العراق، وتم سحبها بالفعل.
ثم جاء التداعي الثاني في مسلسل السقوط بإسقاط الجماهير الإيطالية لـ «برلسكوني» وحزبه، وانتخاب رومانو برودي ليتخذ قرارين تاريخيين استجابة للرأي العام الإيطالي، الأول هو بدء الانسحاب التدريجي للقوات الإيطالية من العراق، والثاني هو إحالة 30 من عملاء المخابرات الأميركية وقيادات من المخابرات الإيطالية إلى المحاكمة لتورطهم في خطف مواطن مصري هو إمام مسجد روما الشيخ أبو عمر في ضربة قوية للمخابرات الأميركية.
ثم جاءت الحلقة الأخيرة في مسلسل التداعي والسقوط للحلف بإصرار حزب العمال البريطاني على تنحية رئيسه «بلير»، في محاولة لإنقاذ الحزب من السقوط في الانتخابات البرلمانية القادمة.
وتولى «براون» رئاسة الحزب والحكومة إيذاناً بهبوب رياح التغيير البريطانية، الأمر الذي بدا واضحاً للجميع في القلق الظاهر والتحذير الخفي الذي كشفت عنه كلمات «بوش» في المؤتمر الصحافي الذي عقده في «كامب ديفيد» مع رئيس وزراء بريطاني جديد حاول شكلا ومضمونا وضع مسافة كافية بينه وبين بوش الغارق فى المستنقع العراقي، والمحاصر في بلاده بفقدان الشعبية وبمطالبات الرأي العام الأميركي له بالانسحاب الفوري من العراق.
فهل سقط حلفاء بوش نتيجة لعنة المقاومة العراقية، أم بلعنة التبعية للسياسة الحربية الأميركية؟!