أكد انتصار الفريق العراقي لكرة القدم، أن الرياضة قوة جديدة فرضت سطوتها على السياسة، على الأقل في لحظتها ولحظة التتويج، غير أن عصر الصورة وحده من يمنح تلك الانتصارات مذاقا حقيقيا، فلولا الصورة والإعلام لكان كل شيء صورة قاتمة.

مرة أخرى تؤكد الكرة، شاعريتها وسحرها ومغناطيسها السري العجيب. وإذا كنا نراها متعة فنية ومهارات متعددة، من جوانبها الرياضية، فان الساسة يجدون فيها ورقتهم للعبور إلى عاطفة الشعب المتفجرة. فالساسة كنخبة مراوغة، يرونها النافذة التي تقودهم إلى شرفة السلطة ومقعد الرئاسة في اتحاد ما، هذا إذا لم نقل أنها كنز يتوقون إلى افتتاحه كالمشاهير، وهم في لحظة الانتصار ونشوة الفرح.

فهل كانت قلوب وعيون الملايين بعيدة عن ذلك اليوم، عن فرح العراق المنتصر في زمن الدم؟ العراق الذي نسي الفرح لسنوات، وعاقر الحزن مثل امرأة مجدبة بالخوف والسواد والرعب، العراق الذي كان فرحنا الدائم وقلبنا الدافئ وبوابتنا الحضارية بمائها ونخيلها وأحجارها ورجالها ونسائها وأطفالها، وكل تلك الخطوط المسمارية والكوفية، والنقوش والمنحوتات في جسدها التاريخي، وأصوات الماضي العابرة من النهر إلى النهر، ومن الموت إلى الحياة!

كان العراق ينظر من مقاهيه المكتظة نحو البساط الأخضر البعيد في آسيا الممطرة، كمطر العراق بالحزن والرصاص، يتابع بلهفة نبضها المسكون بالرعشة والاضطراب كلما مرت الكرة عند العارضة، فظلت أعصاب العرب والمحبين للعبة، مشدودة نحو الكرة الغادرة المخادعة، وكان الجميع هذه المرة يود أن ينتصر العراق، كان الجميع يرغب أن يكون النصر هدية للذين لم تسعدهم الحياة للبقاء لرؤية بلادهم تنتصر في حرب مختلفة وعالم مغاير. تمنى الجميع هذه المرة أن لا يكون النصر حليف الإخوة في المملكة، ليس لسبب إلا لان منافسهم بحاجة لهذا الفرح في زمن تبددت فيه كل غيوم الرحمة فصارت جحيما، وصار الأطفال لقمة سائغة لحمى جنون الموت والإرهاب.

ومثل الكثيرين قلت لأحد الأصدقاء قبل أن تبدأ المباراة أتمنى أن ينتصر الفريق العراقي لسبب واحد، وهو المهم، لأن انتصاره سيمنح الشعب برمته شعورا جديدا كان ينتظره منذ سنوات، فقد اختفت الفرحة من أزقة وبيوت العراق، اختفى الفرح الذي عرفته أماسي النهر، وضحكات النهر، وأسطح الجيران في ليلة مقمرة تغزل فيها بدر شاكر السياب، وأصابع صغيرة بيضاء تنتظر عند النافذة صوت هاتفها النقال يقول لها، إننا بخير، نعيش ونضحك ونتسامر، فقد بتنا نتلاءم مع الموت اليومي! كانت همسة المساء المتعبة عند النافذة ترهق المشاعر الممزقة، لعل طائر العراق المسافر لا يجرحه الورد والرصاص، والقنابل المفخخة والأحزمة الناسفة.

فهل كان الفرح نافذة مغلقة في سواد العراق فتحها أبطال الكرة، فشاهد العالم العراق الآخر، لامس شعبا يحب الحياة بقوة، يحب أن يضحك ويرقص ويفرح، حتى وان قيل له انك معرض للموت؟ كان يهم الباحثين عن الفرح في بغداد والجنوب والشمال، اقتناص ساعة الفرح الغائبة، ولتكن بعدها جنائز ونعوش، فقد سكنت في روح أطفال العراق ذاك اليوم رغبة الحياة العظيمة والخفية، رغبة الانتصار على الموت، فكان على لاعبي العراق وهم يركضون داخل الملعب، إدراك ما الذي ينتظره شعبهم هناك.

وينتظره كل الذين يحبون ويتعاطفون مع العراق، في هذه اللحظة المؤلمة من تاريخه. كان على أبطال الكرة العراقية أن يقاتلوا من أجل انتزاع ذاك الفرح، فلم تكن مسألة الكأس ولا الانتصار العامل الأهم بالنسبة لهم، ولا تلك العدسات والدنيا برمتها تعادل فرح الأطفال وهم يرقصون ويغنون من اجل لحظة كبيرة من الفرح، وحتى لو كانت لحظة فرح عابرة، فهي ستظل بصوتها قوية مدوية في أرجاء الأزقة.

هل كان على الكرة أن تقدم للشعب ما عجزت عنه السياسة وما فشل السياسيون في فعله لسنوات؟ هل كانت تلك الأقدام الحالمة بالنصر توزع خبر الفرح للجميع، فوق الطوائف والنزاعات، تدرك أنها تحمل بين أصابعها حلما عراقيا كبيرا، باتساع بابل والنهر والأهوار والغيوم في جبال كردستان؟

اعتقد أنها كانت تسعى من اجل ذلك الحلم، ففي كل لحظة كان العراق يمر فيها، كان هناك موت ودمار وحياة منسية، فلا احد بات يتذكر العراق ويبكيه، إلا الذين عرفوا أهله وتاريخه وعذاباته الطويلة. انهارت الأصنام وتجمد النهر، وانتشرت الجثث والأشلاء، وغرقت الشوارع والطرقات بالدم، فكان الكابوس الأرعن جاثما فوق صدر العراق، ولن يزيحه إلا فرح أسطوري، بحجم حزنه، والحزن الكبير بحاجة إلى فرح كبير، فكان انتصار الفريق العراقي في بطولة كأس آسيا السابعة والعشرين، تاريخا سيكتب بحروف من ضوء، لكونه جاء في زمن خرافي، كاد الفرح يغيب فيه عن العراق للأبد.

من كان يصدق أن التاريخ ذات يوم، يكتبه أشخاص آخرون أحيانا، فما عادت نجوم الجنرالات ولا سطوة الساسة وحقدهم، ولا مكاتب ودهاليز التآمر وسارقو التحف والنفط وقوت الفقراء، قادرون على سرقة الفرح من روح العراق، روح أطفاله المكابرين، الذين خرجوا للشارع يتحدون الموت المحتمل، فهم مستعدون من اجل هذا الفرح الكبير، أن يكونوا قربانا من اجله مهما كان الثمن بشعا.

فهل يخط محمد سعيد الصكار حروفه الجميلة في ملحمة جلجامش الكروية، وهو الذي بكى العراق في المنفى، حتى بات يضحك من شدة الألم؟ وكأنه يشارك الشاعر مظفر النواب، الذي كتب عن حزن وفرح العراق وآلامه، حين قال «ما أظن أرضا رويت بالدم كأرض بلادي، وما أظن حزنا كحزن الناس فيها ولكنها بلادي.. لا ابكي من القلب ولا اضحك من القلب ولا أموت من القلب إلا فيها». لهذا كان الفرح العراقي ذلك اليوم كبيرا للغاية، يعادل حزنا تاريخيا طويلا بانتظار النهاية السعيدة لعراق موحد، عراق حر وشعب سعيد.

صانعو ملحمة جلجامش الجديدة أضافوا فرحة كبيرة لشعبهم وللشعوب العربية، غير أن مكرمة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أضافت فرحة مضاعفة للاعبين وللفريق العراقي، حيث عبرت المكرمة وأريحية الضيافة، عن موقف شعب وحكومة الإمارات، التي عبرت دائما عن تضامنها العربي، وأياديها البيضاء.

كاتب بحريني