عندما جاءت الولايات المتحدة الأميركية بقواتها العسكرية الى الشرق الاوسط كانت تعرف بالمنطق والتجربة, انها داخلة الى منطقة فرص ضائعة تحولت مع تتابع التطورات الى بقعة ازمات.. فهذا على الاقل ما كانت تدرسه معاهدها الستراتيجية وابرزها اثنان: »بروكينغز« بادارة هنري كيسنجر و»هوفر« الذي تخرج فيه منظرو المحافظين الجدد...

ولذلك فإن الادارة الاميركية كانت تدرك تماما طبيعة المفاصل التاريخية التي مرت بها هذه المنطقة منذ ضياع فلسطين الى تفكك العلاقات مع اوروبا وبداية نسجها مع الولايات المتحدة ثم تجربة الحرب الباردة وانبطاح بعض الانظمة امام الاتحاد السوفياتي وصولا الى مرحلة الثورات والانقلابات العبثية حتى مرحلتنا الراهنة بتفاصيلها الدقيقة التي قد لا يلم بها عدد من المسؤولين العرب انفسهم.

وفي عصارة هذه الدراسات والمعلومات والتفاصيل تبرز نتيجة واحدة وهي ان رأس الافعى اليوم تحول من تنظيم »القاعدة« الى »الدولة القاعدة« اي ايران التي تريد تحويل دول المنطقة كلها الى »كومنولث« تابع لها.

ومن الطبيعي ان تسعى الادارة الاميركية اليوم الى المزيد من الدرس والاستكشاف فتذرع وزيرة خارجيتها ووزير دفاعها وعدد من اعضاء الكونغرس المنطقة ذهابا وايابا.. لكن السؤال هو: ألم تنته الولايات المتحدة من مرحلة التشخيص حتى الآن لتبدأ بالخطوات العملية بالتوجه نحو الهدف مباشرة!.. واولى هذه الخطوات هي تطمين العرب..

نعم العرب خائفون وتحديدا الحلفاء منهم للولايات المتحدة خائفون من ان يذهبوا معها في حملتها ثم يفاجأوا بها منسحبة في منتصف الطريق فكأنك يا ابوزيد ما غزيت.. ثم تعود الكرة الى بداياتها الاولى وتستنزف الدول العربية في اعادة لملمة اوراقها وترتيب صفوفها.

العرب خائفون.. لانهم اذا انسحبت اميركا في منتصف الطريق سيجدون انفسهم في مواجهة مع اصحاب العقول الخشبية الظلامية الذين يرتدون الى رفع راية الفوز في »ام المعارك« او »النصر الالهي«!

ألم ينفلت صدام من كل عقال بعد تحرير الكويت وعدم استكمال الحملة بالقضاء على نظامه? الم تعربد الميليشيات في الصومال بسبب عدم الحسم? الم يشهد لبنان احلك ايامه بعدما انسحبت منه القوات الاميركية ومتعددة الجنسية اواسط الثمانينات? لذلك نقول ان العرب خائفون من تكرار هذه النماذج خصوصا وان الحديث يدور الآن على احتمال انسحاب اميركي من العراق وهو لو حدث سيكون كمن اوصل البلد الى منتصف البئر ثم قطع الحبال به.

ان احدا لا ينكر ان الادارة الاميركية ارتكبت بعض الاخطاء في العراق.. لكنها اخطاء طبيعية في خضم التجربة ولاتقاس ابدا بحجم انجاز التحرير الذي تحقق وادخل هذا البلد العربي الى رحاب الديمقراطية بعد 35 سنة من الاختناق.. وهو يحتاج طبيعيا الى وقت لاعادة التأهيل كمجتمع سوي يتنشق الحرية.. وكما تم تحريره عسكريا جاء الآن دور ازالة الرواسب من فوقه لسنوات طويلة من الطائفية والانقسام والتبعية الخارجية.

اما اذا انسحبت الولايات المتحدة الآن من العراق فستكون ازاحت صدام وزمرته وتركت البلد كله في مهب العواصف.. اي انها استأصلت الفاعل وتركت التفاعلات.. وهذه الحالة كفيلة باستيلاد مئة صدام.

صحيح ان ثمة من يعارض الوجود الاميركي في العراق.. لكن الصحيح ايضا ان اوسع الشرائح العراقية تؤيد هذا الوجود وترفض الميليشيات وتتطلع لتأمين مصالح بلادها ونموها وتخليصها من براثن الديكتاتوريات والنظم الشمولية.. وهذه الفئة الكبيرة حالها كحال سائر العرب, خائفة من الانسحاب الاميركي في منتصف الطريق وترك العراق بل والمنطقة لقمة سائغة امام الفك الصفوي المفتوح بتراثه الفارسي وامتداداته »العقربية« باطرافها السوداء سواء في العراق او سورية او فلسطين ولبنان حيث يمكنه ممارسة اللدغات السامة الغادرة ساعة يشاء.

وفي مقابل ذلك كله فإن استقرار هذه المنطقة يشكل افادة كبرى للولايات المتحدة ولحلفائها فهي تقبع في قلب العالم وتمثل جسر عبور بين ثلاث قارات وفيها القوة الاقتصادية الكبرى والدور الحضاري المتواصل بل هي الركيزة الاساسية التي تبنى عليها زعامة العالم وكل ذلك تدركه الادارة الاميركية وهي لا تحتاج الى مزيد من الدرس والاستقصاء حوله بل الذهاب مباشرة الى موقع المرض ومكمن العلة وهو معروف والتعامل معه بقوة وحزم وبمشرط الجراح الماهر بما يضمن استكمال المهمة التاريخية التي جاءت القوات الاميركية لتنفيذها في الشرق الاوسط وفي مقدمها انقاذ المنطقة والمجتمع الدولي من خطر حقيقي محدق به ويتفجر بين حين واخر في عواصم العالم.. خطر لا تنفع معه المهادنة ومحاولات الاستيعاب لانه لا يعترف اصلا بوجود عالم حر.. ولا حقائق عصر.. ولا متغيرات دولية.. فمن يعتبرك شيطانا اكبر لا يجوز ان تتعامل معه بأسلوب ملائكة الرحمة..

أما من يقول ان الولايات المتحدة غرقت في المستنقع العراقي والافغاني وباتت عاجزة عن مواجهة ايران فهذا كلام تمنيات لا يتصل بالواقع.. وهو يرتبط بالرغبات وينقطع عن الحقائق والمعلومات.. اي انه باختصار ضجيج مسحوب خيره سمعنا مثله الكثير خلال السنوات الخمس الماضية, وثبت انه لا يتعدى كونه محاربة لطواحين الهواء.