عود على بدء، العالم يدير ظهره إلى الوراء ويعود مجددا إلى الجلوس على قرني الثور الكوني بعد أن استفرد به القرن الأميركي طوال عقود ثلاثة، ظل خلالها معلقا برقاب حفنة من الأشخاص ذوي اللون الواحد لا يمثلون إلا أنفسهم، وعددا من الشركات متعددة الجنسيات بمصالحها العملاقة المنتشرة في سائر بقاع المعمورة.
العالم في طريق عودة ميمونة إلى وضع تقليدي قوامه التوازن والتنوع والتعدد والكونية، وقبل هذا وذاك إنسانية الإنسان، التي لا تفرق بين لون بني البشر أو جنسهم أو معتقدهم أو انتمائهم.
الفصل الأخير من فصول هذا المشهد الكوني المنتظر جرت تفاصيله مطلع الشهر الجاري،عندما أصبحت الغواصة الروسية «مير 1» أول آلة يوجهها الإنسان قادرة على الوقوف في أعماق المحيط المتجمد الشمالي على عمق 4261 متراً تحت القطب المتجمد الشمالي تماما، أما هدف هذه الحملة التاريخية العملاقة فهو الإعلان عن أن ملكية هذه الأعماق البحرية السحيقة، الممتدة على طول القطب الشمالي، تعود لروسيا بالذات دون غيرها من الدول.
وحتى لا يبقى أدنى شك حول الهدف السياسي من الحملة العلمية، فلقد شارك فيها نائب رئيس مجلس الدوما الروسي وعضو آخر فيه، على الرغم من كونهما متخصصين معروفين على صعيد الحملات الاستكشافية في المحيط المتجمد الشمالي، إلا أن وجودهما ضمن الحملة الأخيرة بالذات يستجيب لهدف قومي من الدرجة الأولى ويتمثل في وضع اليد على هذه المنطقة ذات الأهمية الإستراتيجية،باعتبارها امتدادا طبيعيا للسقف السيبيري.
كي تتضح تفاصيل المشهد، لا بد أيضاً من الأخذ في الاعتبار أن هذه المساحة، البالغة 2,1 مليون كيلومتر مربع، تحتضن نحو ربع الاحتياطيات العالمية من الذهب الأسود. وحتى لا يبقى شك أيضاً حول التطلعات الروسية الاستراتيجية هناك،لم يتوان وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف عن القول: «روسيا لن تتحرك إلا في الإطار القانوني لإثبات ملكية المساحة القطبية القارية» مضيفا: «من وجهة النظر الدبلوماسية، يجب أن تحل هذه القضايا بشكل حصري على أساس معاهدة القانون البحري واستغلال الآليات القانونية المقرة لتثبيت حدود السقف القاري».
إذا رأت هذه التوجهات الروسية النور فعلا وتمكن الدب الأبيض من تثبيت ملكية بلاده لهذا الجزء من العالم، فسيكون بمقدور موسكو الشروع في استغلال منابع النفط هناك،الأمر الذي أثار حفيظة العديد من مراكز القوى العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة، فضلا عن المنظمات الدولية المعنية بالشؤون البيئية طبعا.
لم يجف بعد الحبر الذي وقع به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قرار انسحاب روسيا من معاهدة عدم انتشار الأسلحة التقليدية في أوروبا الشرقية، وكذلك المرسوم الخاص بإنشاء جهاز روسي جديد للاستخبارات قد يحاكي الكي جي بي أو حتى يضاهيها، ما يشير إلى حقيقة واحدة تفيد بأن المسألة لم تعد تتعلق بتحرك أو توجه روسي هنا أو هناك، بل باستراتيجية متكاملة متماسكة واضحة المعالم هدفها الرئيس، الذي لم يعد خافيا على أحد، هو استعادة الموقع الروسي على الخارطة الجيوسياسية للعالم في إطار القوى العظمى، مما يضع الاتحاد الروسي من جديد وجها إلى لوجه قبالة الولايات المتحدة.
الأمر الذي يروق لبعض المراقبين وصفه بأنه عودة مظفرة إلى أوقات الحرب العالمية الثانية، التي نشبت في أعقاب الحرب الباردة بين الكتلة الرأسمالية ممثلة بحلف الناتو والكتلة الاشتراكية ممثلة بحلف وارسو، لكن تطورات الأحداث الكونية على المستوى التاريخي تشير بوضوح إلى صحة هذه الصيغة الناجحة في العلاقات الدولية وتحبذها مقارنة بالأحادية القطبية المقيتة واستفراد طرف بعينه على العالم.
بالنسبة للجانب الروسي من المعادلة الدولية، يمكن القول، بعيدا عن حالة الإحباط والخجل الفكرية الذي سادت العقود الثلاثة الماضية،إنه بينما كان يؤخذ على النظام الاشتراكي بعض «العيوب» المتعلقة بغياب الملكية الفردية وما يرتبط بها من حوافز إنتاجية تعتبر ضرورية لدفع عجلة الاقتصاد إلى الأمام، فإن التوجهات الروسية الحالية تقوم هذه المرة على اقتصاد السوق والروح الإمبراطورية الروسية، التي يبدو أنها تشق طريقها بقوة في ظل انتعاش اقتصادي غير مسبوق، يستند إلى حقن قطاعات الاقتصاد الروسي واحدا تلو الآخر بما يلزمها من الموارد والدماء الجديدة بغية تأمين توازن بات مطلوبا بين عمادية الأساسيين، النفط والسلاح،السلعتان الرئيسيتان اللتان تصدرهما روسيا وتؤمنان مستوى معيشياً لا بأس به للناس وحالة من الاستقرار الاقتصادي- الاجتماعي لم يحلم بهما أحفاد فلاديمير لينين حتى في أوج ازدهار الاتحاد السوفييتي.