في ظل السباق الحضاري الذي لم يتوقف بين الأمم والذي شهد في العصور القديمة عبر التاريخ حضارات سادت وحضارات بادت، وفي عصرنا الحديث لا يزال هذا السباق متواصلا، وسواء بفكر الحوار أو التكامل أو حتى التصادم بين الحضارات، تتسابق المجتمعات إلى اتخاذ مواقع متقدمة في هذا العصر الذي يوصف بعصر الثورة في العلوم والتكنولوجيا، وفي الإعلام والمعلومات والاتصالات، عصر السماوات المفتوحة التي لا تحدها حدود أو قيود.
ولأن القائد الحقيقي لهذه الثورة البناءة هو الإنسان، ولأن أي تقدم حضاري لا يمكن أن يتحقق إلا ببناء التنمية الشاملة والمتكاملة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، ولأن الإنسان هو وسيلة أي تنمية وغاية كل تنمية.. فإن البداية الصحيحة لأي بناء حضاري لا بد أن تتجه إلى بناء الإنسان نفسه، وإن أي تنمية لا يمكن أن تتحقق إلا إذا بدأت بالتنمية البشرية، التي يتسلح فيها الإنسان بالصحة والتعليم والكفاية والكفاءة والعمل والأمان.. فكل شيء في حياتنا لا بد أن يبدأ بالإنسان وينتهي إلى الإنسان.
وإذا كان صحيحا أنه لا علم إلا بإنسان عالم، ولا ثقافة إلا بإنسان مثقف، فلا فائدة من علم لا ينفع الإنسان، ولا خير في ثقافة لا تنير طريق الإنسان، ولا جدوى من إعلام يهبط بعقل الإنسان، ويتدنى بذوق الإنسان ويسيء لقيم الإنسان، فإن الحاجة تتزايد إلى العالم الخير الذي تنير عقله وروحه وقلبه قيم الخير لينتج علما يعمر ولا يدمر، وإلى المثقف السوي الذي تسيطر عليه الرغبة في الإصلاح ليصدر للناس ثقافة بناءة تدفع الى الإبداع والإنتاج، وإلى الإعلامي الواعي المسلح بالعلم والثقافة ويحول الشاشة المضيئة إلى شاشة منيرة ففارق كبير بين الضوء وبين النور، بين ضوء يبهر ليدمر وبين نور يهدي ليعمر.
تداعت هذه المعاني حينما جلست أمام التلفاز وفي يدي جهاز الريموت أقلب في القنوات باحثا عن قناة بعينها وبرنامج بعينه أحرص على متابعته مثلما أعرف أن كثيرين غيري من العامة والمثقفين ومن الكبار والصغار يتابعونه، لأنه يقدم للناس ما يعلو بالإنسان علما وثقافة وينير ظلمات طريقه وصولا للقيم الإنسانية النبيلة وللمثل العليا..
لقد هالني هذا العدد الهائل من القنوات العربية التي تملأ الفضاء، والتي بدا لي أكثرها ينتسب إلى الترفيه، لكنها تبتعد عن الترفيه لتستغرق في التسفيه. شاشات مضيئة لكنها بلا رسالة مضيئة، فتبعث في العقول ظلمة وفي الأرواح عتمة، وفي النفوس السوية شعورا بالغثيان وإن تسلحت بكل وسائل الإبهار التقني والشكلي باللون والإضاءة والإثارة، لكن الخالي من أي مضمون ثقافي صحيح، وحمل بعضها مضامين ثقافية مريضة مخاطبا أسفل ما في الإنسان من غرائز ومروجا لأنماط سلوكية ونماذج شخصية مريضة!
بينما القليل منها يمكن اعتبارها شاشات منيرة حتى وإن خفتت إضاءتها وعناصر إبهارها، إذ حملت رسالة إعلامية وثقافية تنويرية بناءة شكلا ومضمونا، تقدم برامج جادة لكنها لا تخلو من عناصر التشويق، وبرامج للمنوعات لكنها لا تخلو من ثقافة، تعرف أن الإعلام توجيه قبل أن يكون ترفيها، وتربية قبل أن يكون تسلية، وثقافة لا سخافة، وتعليم لا تجهيل، واحترام لعقل المشاهد وإثراء للقيم الإنسانية والروحية بما يبني وليس بما يهدم، بما يستنهض البنائين إلى البناء ويشيع قيم العدالة والمحبة والتعاون.
استوقفتني بعض البرامج التي تستدعي الإعجاب والاحترام، وتحفل بالمتعة والعلم، والجدية والتشويق، وتسهم في التربية والتنمية باستهداف ما يبني الإنسان وسيلة كل تنمية وغاية كل حضارة، وتحذره من كل شر وتهدي طريقه إلى كل خير، وأخيرا وصلت إلى غايتي في نهاية المطاف أمام شاشة قناة الشارقة الفضائية، حين استوقفني برنامج صفوة الصفوة الذي يطل منه كل جمعة العالم الجليل الدكتور عمر عبدالكافي، في ضيافة الإعلامي المثقف محمد خالد، والجامعة الثقافية والإعلامية التي تبحث في علم الأعلام العظام حملة مشاعل النور في حضارتنا الإسلامية الإنسانية العظيمة التي أشعت بالنور على عصور الظلام الأوروبية في العصور الوسطى.. حينها وضعت الريموت كنترول جانبا وجلست أتابع.. أتعلم واستمتع.