لبنان الذي كان يخرج للتو من حرب أهلية شرسة لم تمهله الأحداث السياسية الدولية كثيرا من الزمن، فما فصل الحرب الأهلية عن حرب صيف العام الماضي لا يساوي زمنا في عمر الدول، فهو قصير جدا لكي يكمل لبنان مسيرته نحو العودة إلى الخريطة الجغرافية العربية.

لبنان تعرض لهجمة إسرائيلية في الصيف الماضي، والذي عرف لبنان الآتي من حرب أهلية تجاوزت العقد من الزمن يدرك ذلك الكم الهائل من ملفات تلك الحرب. لبنان ليس ككل الدول العربية الأخرى فهو بالإضافة إلى كونه دولة صغيرة، إلا أنه من اكبر الدول الطائفية في المنطقة العربية ففيه أعراق وأديان مختلفة جعلت له تكوينا سياسيا مختلفا، هذا التكوين زاد شكله البنائي تعقيدا بعد الحرب الأهلية، بعدما أتيحت الفرصة للتكوينات الطائفية والمذهبية والعرقية أن تظهر وتزداد مساهمتها في تشكيل البنية الديمغرافية للدولة اللبنانية الخارجة من جرح الحروب الأهلية.

لو عدنا إلى احتلال إسرائيل لجنوب لبنان في العقود الماضية لاستطعنا أن نكتشف كيف أن إسرائيل استطاعت أن تبني منطقة دفاعية خاصة عن (أراضيها) بدماء لبنانية، وهذا يبرر تلك القوة التي تكونت للدفاع عن لبنان في ذلك الزمن والتي شكل حزب الله محورها.

وكان ذلك في ظل غياب الشكل الدستوري للبلد قبل الصلح الذي تم توقيعه في الطائف والذي أعاد محاولة بناء الدولة اللبنانية، ولكن ليس بإرث الماضي البعيد وإنما بنتائج الحرب التي لم تسمح لمثل ذلك الاتفاق أن يعيد بناء القضية، متجاوزا الحدث والحرب الأهلية وآثارها البنائية والتي ساهمت في إعادة تشكيل البنية (الاجتماعية - السياسية) من جديد.

كانت الأهداف السياسية لضمان ترسيخ اتفاق الطائف هي المحور الذي تدور حوله كل محاولات العلاج، ولكن كانت هناك قضايا أخرى مثل التواجد السوري في لبنان شكلت أيضا عقبة جديدة في تمهيد المسار السياسي لتسوية القضية اللبنانية. كان المتابع للقضية اللبنانية يستطيع أن يقرأ حرص الكثير من الأطراف اللبنانية على تحريك القضية السورية على السطح السياسي، رغبة في إعادة بناء إطار سياسي مستقل في الدولة اللبنانية التي باتت تخاف من شبح الحرب الأهلية مع كل بادرة تلوح لتقويض عمليات التقدم إلى الأمام. لبنان دولة.

كما نعرفها محاطة بإسرائيل، بل هي جبهة على إسرائيل، ولذلك توليها إسرائيل اهتماما خاصا لضمان أمنها في قطاعها الشمالي. ولقد كشفت لنا حرب الصيف الماضي كيف تمكن حزب الله من الوصول إلى بعض مدن الشمال الإسرائيلي مما جعل القضية الخاصة بالمقاومة في الجنوب تشكل الضلع الأهم في القضية اللبنانية.

على المستوى العربي أيضا يشكل لبنان محورا سياسيا مهما للكثير من الدول العربية وخاصة تلك الدول المجاورة لإسرائيل، بالإضافة إلى أن دول الخليج ومنها المملكة العربية السعودية يكثر تواجدها في الحياة السياسية اللبنانية، لدورها البارز في رسم سيناريو اتفاق الطائف وحرصها على وحدة لبنان، كما أن الدول العربية بما فيها الخليجية تدرك حجم المشكلة التي من الممكن أن تتركها إسرائيل في لبنان لو تركت الساحة اللبنانية مفتوحة دون احد.

في الداخل اللبناني القضية السياسية تقرأ بطريقتين، الأولى مرتبطة بالبنية الاجتماعية ومكوناتها الطائفية والعرقية بالإضافة إلى المكونات الدينية للفرقاء، سواء داخل الدين الواحد (سنة وشيعة) أو بين الأديان والمذهبيات المختلفة. الطريقة الثانية مرتبطة بالمصالح الدولية والإقليمية والتي تدرك أهمية لبنان السياسية في رسم خطوط كثيرة أهمها السلام في المنطقة مع إسرائيل. وبين هاتين القراءتين توجد القضية اللبنانية برمتها.

المواطن اللبناني يستطيع قراءة الأحداث التي تحيط بوطنه ليس من خلال البعد المجتمعي وهنا لب المشكلة، فالمواطن اللبناني لديه صورة سياسية عن بلده لم يساهم هو في رسمها بقدر ما كانت الصورة الطائفية والمذهبية والتأثيرات الخارجية هي اللاعب الرئيس في تكوينها.

معايير السياسة اللبنانية أصبحت معايير رقمية من حيث عدد الطائفة وقواها السياسية وتأثيرها في صنع القرار، ولذلك أصبح من السهل أن توجد مساحة واسعة لمن يريد أن يمارس دورا سلبيا في لبنان. فالمساحة واسعة والحدود واضحة بين الفرقاء، وتستطيع أن تنشئ مشكلة في منطقة تماس سياسية أو جغرافية أو مذهبية داخل الحدود اللبنانية ببساطة، وهذا ما جعل الإغراءات كبيرة لتنفيذ الكثير من التفجيرات والاغتيالات في مناطق تماس سياسية أو مذهبية بين المختلفين في لبنان.

المشكلات التي تعصف في لبنان ليست سوى مصالح متضاربة تختار مناطق التماس تلك لتحولها إلى مناطق ملتهبة، يساعدها في ذلك انحسار المواطن اللبناني وتركيزه الوطني على البيئة التي ينتمي إليها بعيدا عن البيئة السياسية التي يتنفس هواءها.

هذه الصورة الواضحة للداخل اللبناني جعلت منه منطقة جذب كبيرة، فلبنان الذي نشأ فيه حزب الله تلك القوة العسكرية الهائلة وتنامت فيه صراعات دينية أخرى جعلته مسرحا تسهل المشاركة فيه بالتمثيل وان لم يكن دورا بطوليا لبعض الفئات، ومع هذا المسرح المفتوح تسللت «القاعدة» إلى لبنان.

عملت القاعدة وبغض النظر عن متى وكيف وصلت إلى لبنان، على أن يكون لها مسرح تلعب فيه داخل هذه الدولة التي اوجد فيها توسع الخلافات مساحات اكبر للغرباء، دون وعي للدور الذي يمكن أن يتركه هؤلاء الغرباء. لقد استطاعت القاعدة أن تخترق الكيان اللبناني وتدخل إلى منطقة آمنة سياسيا في المخيمات الفلسطينية داخل الأرض اللبنانية.

بل اجزم أن القاعدة تمكنت الآن من التواجد على الأرض اللبنانية بشكل كبير وخاصة أنها تعرف كيف تتمكن من إثارة المشكلات في البلدان التي تدخلها، باستخدام مقاتلين من تلك البلدان لإثارة الفتنة والمشكلات. من المتوقع قريبا أن يجد الصراع المذهبي على ارض لبنان دورا سوف يساهم في تعقيد القضية وبشكل اكبر، وهذا ما سوف يجعل مسرح الأحداث يزداد اتساعا.

لبنان اليوم لا نعلم لمن هو تحديدا..؟ ولكن دخول القاعدة وتحريكها عمليات عسكرية في مخيم نهر البارد مؤشر كبير على منعطف خطير سوف يساهم في تعقيد المسألة اللبنانية، حتى وإن بدت الدولة اللبنانية تستخدم شرعيتها في حرب الإرهاب عبر الجيش اللبناني الذي كان غائبا لمدة طويلة عن مسرح الأحداث. إن لبنان الذي يتنفس الحروب بشكل تلقائي منذ زمن طويل، يبدو وكأنه يحرق نفسه من جديد في أزمة هي في الواقع من اكبر الأزمات التي يواجهها العالم العربي حاليا بعد قضية فلسطين.

لبنان اليوم لا يقبل في منظومته السياسية فكرتين لن يجتمع عليهما سياسي واحد في لبنان، قضية القرار 1701 الخاص بالحرب الإسرائيلية اللبنانية خلال الصيف الماضي، وقضية المحكمة الدولية التي اقرها مجلس الأمن الدولي. إن لبنان الذي يفقد شعبه ملكيته، بحاجة إلى شخصية سياسية تستوعب تلك المتناقضات وتغلب المصلحة اللبنانية على كل مصلحة.

وهذا ما يتطلب أن يتحول لبنان إلى نموذج سياسي يتجاوز كل القيود ويحقق استقلالا داخليا قبل أن يحققه خارجيا، بما في ذلك إغلاق المسرح السياسي ورواده من الغرباء، سواء من القاعدة أو غيرها. كل ذلك يجب أن يحدث حتى نتمكن من الإجابة على سؤالنا.. لمن لبنان اليوم؟

كاتب سعودي

Mhkm1111@yahoo.com