الكاتب إلياس كانيتي أممي بتكوينه حيث ولد في شمال بلغاريا من عائلة اسبانية ـ يهودية عام 1905، اكتسب الجنسية النمساوية وقضى وطراً من حياته بين لندن وباريس. ثم مات في العاصمة السويسرية زيوريخ عام 1994 متوجاً بجائزة نوبل للآداب التي حصل عليها عام 1981. لكثرة تعلقه بالسلام العالمي وكرهه للحروب كتب كانيتي يوماً بأن السلاح يجب أن يصنع بحيث غالباً ما يرتد وبشكل مفاجئ تماماً على ذلك الذي يستخدمه. وقد استجاب القدر مرات عديدة لدعوته.

خطة التسليح الأميركية الاستراتيجية الضخمة المقاييس، لمنطقة الشرق الأوسط تؤكد من جديد أن الإدارة الأميركية الحالية لم تستوعب مغزى ما رمى إليه إلياس كانيتي ولا صدقية تنبؤاته على تاريخ برامج التسليح الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، وعلى إدارة بوش تحديداً.

كانت أميركا قد عمدت إلى إغراق إيران الشاه بترسانة أسلحة رهيبة بعد أن اعتمدتها حارس المصالح الأميركية في المنطقة. وقد ارتد هذا التسليح بالضد من مصلحة أميركا في النهاية. وبعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 عمدت الولايات المتحدة إلى دعم وتشجيع صدام حسين للتسلح لمواجهة إيران. ولم يؤد ذلك إلى حرب الثماني سنوات التي استنزفت الكثير من موارد البلدين البشرية والمادية فقط، بل وولدت لدى صدام شعور العظمة الذي زين له غزو الكويت، فصدقت نبوءة كانيتي بحق صدام هذه المرة. وإذا كان التاريخ قد علمنا بأنه حيثما تتحارب الشعوب تجد أميركا تتاجر، فإنها في أفغانستان دخلت تحارب بسلاحها الذي يرتد عليها الآن. ثم استخدمت سلاحها التدميري في حربها على العراق منذ عام 2003 ليرتد تدميراً لمكانة الإدارة الأميركية عالمياً وفي الحياة السياسية الداخلية الأميركية.

وفي العام الماضي شجعت أميركا حليفتها إسرائيل لشن عدوان ظالم على لبنان بقوة السلاح الأميركي الذي ارتد بالنتيجة على الأمن الإسرائيلي والمصالح الأميركية وقوض مشروع الشرق الأوسط الكبير بالمعنى الذي أرادته الولايات المتحدة.

تبدو موازين القوى الدولية والأميركية السياسية الداخلية وكأنها قد تفقد الإدارة الأميركية قدرتها على المناورة من أجل استخدام قوتها العسكرية المباشرة في التدخل في شن الحرب ضد إيران.

وبما أن الهدف يبقى مصلحة مجمع الصناعة العسكرية الأميركية أولاً، فإنها تعود أدراجها إلى تجارة السلاح حيث تتقاتل بلدان وشعوب الشرق الأوسط. وبهذا فإن فتيل الحروب في المنطقة يظل قابلاً للاشتعال في أية لحظة، وبما قد يستدعي الولايات المتحدة للتدخل لاحقاً من جديد.

وتبدو إسرائيل مطمئنة إلى أن خطة التسليح الاستراتيجية الجديدة تستجيب تماماً لنزعتها العدوانية الدائمة. في 2 أغسطس 2007 كتبت الصحفية أوري يابلونكا في «معاريف» الإسرائيلية بأن ما قيل لرئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت من قبل مساعدي وزيرة الخارجية الأميركية أثناء زيارته لواشنطن قالته رايس بنفسها الآن. فالصفقة الأميركية مع السعودية وبقية الدول العربية لن تخل بالتوازن الاستراتيجي العسكري بين إسرائيل والدول العربية. ففي موازاتها قررت أميركا زيادة الدعم العسكري لإسرائيل بما قيمته 600 مليون دولار سنوياً. ويدور الحديث مع إسرائيل ليس عن توريدات أسلحة أكثر نوعية فقط، بل وعن تمكين صناعتها العسكرية من إنتاج ما يحتاجه الجيش الإسرائيلي من أسلحة أكثر تطوراً.

على أن ما ترمي إليه إسرائيل أبعد بكثير. ما يقض مضاجع استراتيجيتها هو أن المساعدات العسكرية الأميركية مرهونة بشراء التجهيزات الأميركية فقط. وما تسعى إليه إسرائيل وتأمله هذه المرة هو كسر الاحتكار الأميركي لسوق السلاح الإسرائيلي بالسماح لها بالتزود بمعدات وتجهيزات عسكرية حيثما وجدت الأفضل لدى البلدان المتقدمة. بكلمات أخرى: في الوقت الذي تعمل فيه إسرائيل على تغيير قواعد اللعبة في علاقاتها العسكرية الاستراتيجية الدولية تفعل الدول العربية العكس تماماً. ولعل قراءة سريعة للتقرير السنوي لمعهد استكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) الذي نشر في 11 يوليو الماضي تبين هذا الاتجاه بوضوح رغم أن حرباً عالمية يستعر أوراها في سوق السلاح العالمي.

لقد ارتفعت مبيعات الأسلحة في العام الماضي 2006 بنسبة 5,3% عما كانت عليه في سابقه 2005، لتبلغ 204,1 تريليون دولار، وهو ذات المستوى الذي سجل عام 1988 أيام الحرب الباردة.

وفي حين ارتفعت تجارة السلاح الدولية بمقدار 50% ما بين عامي 2002 و2006 بقيت الولايات المتحدة الأميركية وروسيا أكبر مصدرين للسلاح، بينما احتلت ألمانيا المرتبة الثالثة متقدمة على فرنسا حيث بلغت صادراتها 5,9 مليارات دولار في الفترة ذاتها. وفي العام الماضي فقط صدرت ألمانيا ما قيمته 9,3 مليارات دولار ما يزيد بمقدار النصف عما صدرته عام 2005 والذي بلغ 5,1 مليار دولار.

خبير (SIPRI) سايمون فيزيمان أشار إلى أن من بين أكبر عشرة مستوردين للسلاح في العالم هناك خمسة بلدان من الشرق الأدنى والأوسط. وبالرغم من أن الأضواء الإعلامية مسلطة على تزويدات روسيا لإيران بالسلاح، إلا أن حجم الإمدادات العسكرية من الولايات المتحدة والغرب إلى إسرائيل والدول العربية كانت أكبر.

أخذت فرنسا تتحرك بنشاط لاستعادة مكانتها في تجارة السلاح في المنطقة. ومن مسألة الممرضات البلغاريات خرجت يوم الخميس الماضي بتوقيع صفقة عسكرية مع ليبيا بقيمة 402 مليون دولار. كما أعلنت روسيا في نفس اليوم عزمها على التوجه بأسطولها العسكري في البحر الأسود إلى منطقة الشرق الأوسط لتتموقع في قاعدة سورية التي تستمر في توطيد العلاقات العسكرية معها.

أما ألمانيا، قاطرة الاقتصاد الأوروبي فتحذر من أن الخطة الأميركية لتسليح المنطقة واستبدال مبادرة السلام العربية بفكرة أميركية لمؤتمر السلام لن تفلح في حل مشكلة البرنامج النووي الإيراني أو قضية الشرق الأوسط المعقدتين أصلاً. ويشير هانس ديتريخ غينشر، وزير الخارجية الألماني السابق في مقالته في Tagesspiegel الألمانية، 31 يوليو 2007 إلى أن ساعة أوروبا قد دقت الآن، وأن رئاسة ألمانيا للاتحاد الأوروبي تفتح الطريق أمام إعادة الروح للقدرة الأوروبية، وخصوصاً في سياستها الخارجية. هذا ما نعرضه على واشنطن حول الشراكة القائمة على المساواة وأحادية المعاني.

عدد الحروب في العالم ظل كما هو 17 حرباً في عامي 2005 و2006. فهل سيشهد هذا العام حرباً جديدة ضد إيران بأدوات إسرائيلية ومحلية أخرى توسع في رقعة الحرب الإقليمية الدائرة أصلاً، لتوسع من سوق السلاح واستهلاكه في منطقتنا؟

كاتب بحريني