المحاصرون الصامدون أبناء قطاع غزة، لا يجدون صدى لمعاناتهم وآلامهم التي خلفتها جريمة الحصار المحكم الذي تفرضه عليهم سلطات الاحتلال الإسرائيلي. أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني يعيشون سجناء تفرض عليهم قيود وحشية صارمة، على مسمع ومرأى من المجتمع الدولي الذي يسمع أنينهم ويتجاهله في الوقت نفسه!
نموذج واحد يكشف عن تداعيات الحصار الإسرائيلي. فقد لفظ شاب فلسطيني مريض بالكلى أنفاسه الأخيرة أول أمس، بعد انتظار لساعات طويلة داخل سيارة إسعاف في الجهة الفلسطينية من معبر بيت حانون (ايريز) شمال قطاع غزة. وسبب الوفاة هو تأخير نقله من قبل الجانب الإسرائيلي عبر المعبر للعلاج في المستشفى. صحة هذا المريض الشهيد تدهورت بسبب التأخير في نقله إلى المستشفى للعلاج.
هذه حالة واحدة من بين حالات عديدة لا حصر لها عن الآثار والنتائج المترتبة على الحصار الإسرائيلي، والذي يسقط ضحيته العشرات من المرضى المحاصرين مع ذويهم ولا يستطيعون الانفلات من قبضة الحصار لإنقاذ حياتهم من معاناة المرض.
وإذا كان صناع القرار الدولي الذين بإمكانهم وضع حد لجريمة الحصار الإسرائيلي صامتين على ما يحدث، فالإعلام الغربي بوازع من ضمائر حملة الأقلام، لم يلتزم السكوت. صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية، نقلت أمس صورة مأساوية عن أوضاع غزة. قالت بكل وضوح ان الحصار المحكم الذي تفرضه إسرائيل على القطاع قد أوصل الاقتصاد هناك إلى حافة الانهيار.
ويقول مراسل الصحيفة هارفي موريس، إن القيود الإسرائيلية المفروضة على حركة البضائع والمواد الخام من وإلى القطاع، أدت إلى إغلاق معظم منشآت القطاع الصناعي في غزة. والمعاناة في كل ما جرى كانت في الأساس من نصيب الصناعة وأولئك الذين يعتمدون عليها في أعمالهم وتصدير بضائعهم وحياتهم اليومية. القيود الإسرائيلية تدمر القطاع الاقتصادي وتحول الأعداد المتنامية للسكان إلى مجرد معتمدين على هيئات المساعدات الدولية والجمعيات الخيرية الدينية. معظم العمال الذين يعملون بأجر يومي، أوقفوا عن العمل. وفي غزة يطعم راتب واحد حوالي 10 أشخاص يعتمدون عليه.
إلى جانب الحصار الذي أدى إلى اتساع دائرة الفقر في القطاع، هناك أيضاً تداعيات عمليات الاجتياح والعدوان الذي تمارسه إسرائيل ضد أبناء غزة. فكلما وجهت القوات الإسرائيلية ضرباتها سواء جواً أو براً ضد مناطق غزة، ارتفعت الخسائر المادية.
والعدوان الإسرائيلي الأخير على منطقة الشوكة بمدينة رفح ومحيط مطار غزة الدولي، ترتبت عليه مثلاً خسائر تتمثل في الإضرار بالبنية التحتية والإنشاءات العامة وإنشاءات المواطنين، وأضرار زراعية حيث تم تجريف أراض وأكثر من 800 شجرة مثمرة من زيتون ولوزيات وغيرها، وتجريف برك زراعية يستخدمها المواطنون لري المزروعات.
هذا العدوان على الشوكة امتد إلى إحدى المدارس التابعة لوكالة الغوث الدولية، حيث تم تدمير بوابة هذه المدرسة بالكامل وهدم أجزاء من سورها، وتكسير أبواب لفصول دراسية وفتح ثغرات للقناصة في الجهة الغربية المواجهة للمواطنين، كما تم تدمير خزانات المياه في هذه المدرسة بالكامل.
الحصار الإسرائيلي مستمر. وعلى الذين لهم السطوة والنفوذ على الساحة الدولية ويسيرون دفة شؤون المجتمع الدولي، أن يفعلوا شيئاً لإنقاذ أكثر من 5,1 مليون فلسطيني من سيف الحصار الذي يستهدف قطع رقاب أهالي غزة، قبل الحديث عن تسوية سلمية قد لا تجد من تطبق عليه، إذا استمر هذا الوضع المأساوي.
