في حديثه مع وكالة الأنباء الأردنية يوم أمس كان رئيس الوزراء د. معروف البخيت واضحا وصريحا في تقييمه للأسباب الحقيقية وراء انسحاب جبهة العمل الإسلامي من الإنتخابات البلدية الأخيرة، وهي التي تتعلق بانحسار شعبية التنظيم نتيجة تحرك الأغلبية الصامتة في المجتمع الأردني التي انحازت لخيارات الأولويات الوطنية على الأولويات الخارجية، وهذا ما حدا إلى إتخاذ القرار غير المسؤول بالإنسحاب والذي يعبر عن أزمة داخلية ضمن التنظيم أكثر من رسالة سياسية ذات تأثير على الرأي العام الأردني.
تركيز رئيس الوزراء على الأغلبية الصامتة في سياق تحليل مستوى المشاركة في العملية الإنتخابية له مدلولات سياسية كثيرة وأهمها أن هذه الأغلبية التي كانت تتردد في المشاركة سابقا في الانتخابات مما كان يتيح لتنظيم جبهة العمل الإسلامي الحصول على نتائج عالية.
نسبة إنحياز هذه المرة إلى خيار التفاعل والمشاركة وبالتالي أدى الزخم الكبير للمشاركة إلى تراجع نسب وشعبية التنظيم وعودة الأمور إلى نصابها الحقيقي وواقعها الرقمي ، والذي يبدو أنه لم يكن مقبولا للأسف لدى التنظيم.
امتدت تصريحات الرئيس لتشير إلى الأزمة التي يعيشها التنظيم ، وخاصة مع القيادة الجديدة التي اعتادت على انتهاج اسلوب التصعيد والتوتير ورهن الخطاب السياسي والإعلامي للتنظيم بجماعات خارجية وهي التي كانت قد حضرت الأجواء مسبقا لإنسحاب وتراجع في حال ظهرت بوادر الهزيمة مما جعل الإنسحاب نتيجة شبه متوقعة ولكنها لم تؤثر على سير العملية الإنتخابية بل أن آثارها سوف تمتد إلى داخل التنظيم نفسه في حال تم العمل على تقييم هذه التجربة وتوثيق الأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها القيادة الجديدة وقرارتها المتسرعة.
وبالفعل حاول التنظيم وقيادته الجديدة تصدير الأزمة إلى الخارج من خلال تصريحات انفعالية تجاوزت المعقول والمألوف وصلت إلى درجة التشويش على سمعة الأردن والطعن في مؤسساته الراسخة والتطاول على الثوابت الوطنية وهذا كله خارج تماما عن سياق التنافس الديمقراطي في الانتخابات ويشير إلى حالة تحد وتعد على الدولة الأردنية وخاصة عند الاتهامات الفارغة الموجهة للمؤسسة العسكرية وحقها الدستوري في المشاركة في الإنتخابات البلدية والذي لا يمكن الإعتراض عليه نتيجة النص الدستوري الواضح بجواز مشاركة العسكريين الذين هم جزء اساسي من المجتمع الأردني ولهم كافة حقوق الإنتخاب على مستوى البلديات.
بكل أسف وكما أوضح رئيس الوزراء فإن التنظيم الإسلامي في الأردن أمسى مختطفا من قبل تيار متشدد لا ينتمي إلى الخطاب التاريخي الوطني لجماعة الأخوان المسلمين التي هي جزء اصيل من المجتمع والحركة السياسية الأردنية، حيث أن التنظيم بقيادته الجديدة هو بمثابة عبء على المسيرة الديمقراطية في الأردن من خلال نهج التصعيد والتخوين والذي يجر الجماعة إلى منعطفات خطيرة تحتاج الحركة الإسلامية في الأردن إلى تدخل العقلاء والحكماء لتدارك صورة الجماعة وتاريخها ودورها البناء في دعم منعة الأردن ، وهذه مهمة عاجلة من المفترض أن تبدأ فورا لإنقاذ الحركة الإسلامية من حالة الإختطاف من قبل القيادة الجديدة.
وفي هذا السياق سوف تبقى المؤسسة العسكرية والأمنية العمود الفقري لأمن الأردن ورموز التضحية والقيم الوطنية وهي في حالة تامة من التأهب لحماية الأردن والمجتمع والمواطنين من محاولات إستيراد تجارب تحدي الدولة والعنف والتصعيد والمواجهة والإنقضاض على الشرعية والتي يبدو أن قيادة التنظيم الجديدة قد بدأت للاسف بالسعي نحو تنفيذها من خلال محاولات محمومة للتشكيك بالدولة ومؤسساتها وهذا أمر يتجاوز كل حدود التعبير السياسي المقبول ويندرج تحت استهداف الأردن كدولة ومجتمع، مما يعني توجها لا يمكن السكوت عليه.
إننا ننحاز إلى الدولة الأردنية بشرعيتها ومؤسساتها ومجتمعها وتاريخها السياسي وتجربتها الديمقراطية في مواجهة كل من يحاول الخروج عن شرعية الدولة أو يشكك بها.
