لا نكاد نسمع عن عمل سري حول الملف الفلسطيني حتى يفاجئنا مصدر آخر بإفشاء (سر) جديد، سر عن مفاوضات فلسطينية اسرائيلية بمشاركة اميركية في كندا، وسر عن مفاوضات (فتحاوية) (حماسية) تنفيها مصادر فتح وتؤكدها مصادر حماس، واسرار اخرى تبدو وتختفي. وكل من يؤكد وجود هذه الأسرار أو عدم وجودها يرفعون راية المصلحة الفلسطينية كسبب اساسي وراء (سرية) التحركات.

لكن أغرب ما يلفت الانتباه في الأسرار المتناثرة هنا وهناك حول القضية الفلسطينية هو ما كشف عنه بسّام أبو شريف المستشار السياسي للرئيس الراحل ياسر عرفات والذي قال فيه ان الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك يعلم تماما كيف تم قتل الرئيس الفلسطيني الراحل، هو (إي شيراك) وثلاثة اطباء كانوا يعكفون على علاج عرفات بمجرد نقله الى باريس للعلاج حسب ما كان معلنا.

أبو شريف فجر قنبلة مدوية، رغم ان احاديث متناثرة كانت تقول بذلك لكن ابا شريف كان بحكم منصبه احد المقربين من اوساط القرار الفلسطيني الرئاسي الذي كان عرفات يمسك بأطرافه بقوة وإدراك كبيرين لمسارات القضية وتداخلاتها.

ويرى عديد من القائلين بهذه النظرية (نظرية القتل بالسم) ان سبب تسميم عرفات كان إزاحته عن الساحة تمهيداً لحل يرضي اسرائيل وقادتها الذين لم يكونوا يتوقفون عن الزعم بأن عرفات كان اكبر عقبة في طريق السلام ولا بد من ازاحته ، وقاد مسيرة هذه الاكاذيب أرييل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق قبل دخوله في الغيبوبة التي دخلها في أعقاب تسميم عرفات .

والآن وبعد مرور كل هذه الايام والتجارب السياسية المحبطة بعد رحيل عرفات ، نتساءل : هل وصل الذين أزاحوا عرفات ـ ان صح ما قاله أبو شريف ـ وسكتوا على جريمة ازاحته بهذه الطريقة الوحشية ، إلى ما أرادوا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية؟ بمعنى هل تحقق ما اعتقدوه من ان زوال عرفات يعني زوال عقبة في طريق تحقيق مصالح الفلسطينيين ؟

إننا في الحقيقة نرى العكس هو الصحيح ، فما كان الفلسطينيون لينقسموا كل هذا الانقسام في وجود عرفات ، وهو أمر بالفعل لم يحدث في حياته رغم وجود كل التناقضات القائمة حاليا آنذاك ، فأين المصلحة في ازالته وقد عانى الذين ساهموا في ازاحته الكثير من المتاعب هم ايضا .

يبقى أن تتحقق العدالة لعرفات كما تجري الجهود الآن لتحقيق العدالة في مقتل رفيق الحريري على سبيل المثال فكلاهما زعيم عربي مخلص لبلده ووطنه الكبير وقضيته المصيرية والاثنان رحلا بوحشية لا مثيل لها . فلمصلحة من حدث ذلك ؟ .

إن العرب من اليوم سيظلون يتطلعون إلى شفاه الرئيس شيراك صديق العرب التاريخي كي يؤكد ماذهب إليه أبو شريف ، ثم تكون الخطوة الثانية في تقديم المجرمين الذين تسللوا إليه (عرفات) في فراشه بثياب الملائكة وتحتها نوايا الشياطين بقتل زعيم مسن لم تكن له من تهمة سوى التمسك بتلابيب قضية بلاده المصيرية ورفضه التفريط وسط عالم من التفريط .