جولة جديدة لوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في بعض عواصم الشرق الأوسط، تحمل في طياتها الكثير من المعاني والأهداف. فالجولة هذه المرة ضمت أيضا وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس، الأمر الذي يؤكد اهتمام إدارة بوش بالأوضاع الحالية في المنطقة. ولعل الاهتمام الأميركي بما يدور في منطقتنا من أحداث جاء متأخرا، نظرا لخطورة الأوضاع في العراق وفلسطين ولبنان.

وإذا كان الرئيس الأميركي قد عبر عن اهتمامه بما يدور في الشرق الأوسط من خلال دعوته لعقد «اجتماع» وليس لعقد مؤتمر دولي للسلام، بل خففت إدارته من سقف توقعاته، فان السؤال الأهم الآن هو: ماذا تريد واشنطن من خلال جولة رايس وغيتس الحالية؟ وماذا يعني استخدام الإدارة الأميركية للسياسة الناعمة والقوة الخشنة في آن واحد؟

القراءة الموضوعية للسياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، تؤكد بلا جدال أن إدارة بوش تواجه وضعا لا تحسد عليه في العراق، في ضوء استمرار العنف وعدم وجود بارقة أمل لاستقرار الأوضاع في أرض الرافدين. وفي هذا الإطار لم يستغرب المراقبون تعليق رايس الآمال على فوز العراق بكأس آسيا لكرة القدم، في إعادة الهدوء إلى الشارع العراقي.

ورغم الضغوط الهائلة التي تواجهها تلك الإدارة، من الديمقراطيين وبعض الجمهوريين، لسحب القوات الأميركية من العراق، فان مايكل مولين المرشح لتولي منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة قال صراحة إن الولايات المتحدة الأميركية ستبقى في العراق «لسنوات وليس لأشهر».

وأضاف أن انسحاب نصف القوات الأميركية من العراق والبالغ عددها 160 ألف جندي قد يستغرق نحو أربع سنوات. أما جوردون انجلاند نائب وزير الدفاع الأميركي، فقد أعلن أن تكاليف الوجود الأميركي بالعراق خلال العام المقبل ستتجاوز المبالغ التي طلبتها الإدارة الأميركية والتي تبلغ 7, 141 مليار دولار، بالإضافة إلى أكثر من 600 مليار دولار سبقت الموافقة عليها لحرب العراق وأفغانستان.

وفي ضوء الحرج الداخلي الذي يواجه إدارة بوش بالنسبة لوجود قواتها في العراق والتكلفة الباهظة لهذا الوجود، ورغبة منها في إقناع العواصم «المعتدلة» بمساعدتها لتجاوز تلك «الورطة»، تحاول واشنطن تلميع صورتها وإيهام تلك العواصم أنها جادة في تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، من خلال المساعدة في حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وفي هذا الإطار، جاءت دعوة الرئيس بوش لعقد «اجتماع دولي للتشاور»، وجاءت أيضا الدكتورة رايس لتروج لهذه الفكرة، وكأن واشنطن جادة بالفعل لحل القضية الفلسطينية خلال الأشهر الأخيرة من إدارة بوش. لكن كيف لها ذلك وهي لا تستطيع إنقاذ حزبها في الانتخابات الأميركية المقبلة، حيث لم يعد الناخب الأميركي يثق في قرارات تلك الإدارة؟ ثم أين كان الرئيس بوش طوال فترة ولايته، وهو الذي أعلن قبل ذلك عن «تطلعه» لرؤية دولتين فلسطينية وإسرائيلية خلال عام 2005؟

فالدعوة الأميركية لعقد «مؤتمر» أو «اجتماع» دولي، تحتاج إلى كثير من التوضيح والعمل، خاصة تجاه الضغط على إسرائيل للقبول بمبدأ السلام. فالعرب قدموا كل ما يملكون لتحقيق هذا المبدأ ولديهم مبادرة أقروها في قمة بيروت، وجددوا تمسكهم بها خلال قمة الرياض الأخيرة، بل ذهبوا إلى الكنيست ذاته لعرضها على أعضائه. بعبارة أكثر وضوحا، ليست المشكلة في طرح مبادرات أو عقد مؤتمرات أو اجتماعات، ولكن المشكلة الحقيقية يعرفها الجميع بما فيهم الإدارة الأميركية التي بعثت بوزيري خارجيتها ودفاعها إلى المنطقة لإنقاذها من ورطتها في العراق.

المشكلة الحقيقية تكمن في الدعم الأميركي الأعمى لإسرائيل سياسيا وماديا، وتكامل الأدوار بينهما، والمشكلة الحقيقية تكمن أيضا في عواصمنا العربية التي تملك من الأوراق الكثير، ولكن لا تجيد استغلالها، أو لا ترغب في ذلك، وربما لا تقدر عليه.

وفي النهاية يبقى تساؤل: ألم يحن بعد الوقت ليؤكد العرب للولايات المتحدة صراحة أن لغة المصالح يقابلها بالضرورة منطق الحقوق، خاصة إذا كانت واشنطن أكثر احتياجا للعرب، بعد أن غرقت في مستنقعي العراق وأفغانستان، وربما تنزلق نحو مستنقع جديد في المنطقة قريبا؟

tammam@albayan.ae