لا قول بلا فكر يسبقه، ولا عمل بلا فلسفة تحدد أهدافه، ولا خطة بناء بلا علم يهندس التصميم ويحكم التنفيذ، ولا بناء يمكن أن يعلو ويستمر بلا صيانة وإصلاح وتطوير.
ويتضح من هذا أن «الثقافة» هي فكر توجيه المجتمع.. وأن «السياسة» هي فلسفة إدارة بناء الو طن.. وأن «الإصلاح» هو عملية التطوير العلمى المستمرة لبنى وهياكل المجتمع، ولهذا فالتكامل جبري بين الفكر والفلسفة والعلم لعملية صنع التقدم بالشعب ولصالح الشعب على أرض أي وطن..
وبرغم أن «الثقافة» و«الإصلاح» و«السياسة» مفردات أصيلة ومحددة المعنى بصورة لا محل فيها للخلاف بين الأكاديميين من أساتذة اللغة العربية، لكنها تظل مثار اجتهادات كثيرة وجدل كبير في المفهوم بين أساتذة العلوم السياسية والمفكرين السياسيين.
فبينما تعني «الثقافة» لغويا عملية صقل «تثقيف» السيف بما يزيل عنه الصدأ ويزيد من حدة نصله، تعني فكريا جعله لامعا في الشكل وفاعلا في المضمون، بدرجة أكبر من غيره من السيوف غير المصقولة «المثقفة»®. فإن الثقافة إنسانيا تعني صقل ملكاته الإبداعية وتنمية معارفه النظرية العلمية والأدبية والفنية، بتغذية مخزونه الفكري السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بما ينعكس سلوكا إيجابيا بتنمية قدراته العملية على الفعل المثمر والإبداع في الإنتاج.
ومن ثم يكون المثقف هو الإنسان غير المشغول بشؤونه ذاته عن شؤون مجتمعه، وهو المشحون بالمعارف القادر على التفكير بالوعي والعمل بالإبداع الذي يعطي بطبيعته أكثر مما يأخذ، بما يتجاوز دائرة مصالحه الذاتية الضيقة إلى دائرة المصالح الوطنية والإنسانية في آن معا، وليس العالم فقط بتخصصه المهني مهما بلغ، دون علم بما هو خارج عن دائرة دراسته أو عمله.
وإذا كانت الثقافة، هي تثقيف لسيف صدئ لكنه غير مكسور، وللإنسان هي تنمية لوعي عالٍ وتربية لسلوكٍ راقٍ بجعل الإنسان مصقولا فكراَ وفعلاَ، فإن «الإصلاح» يسير في نفس الاتجاه، لكنه يختلف في المهمة باعتبار أنه لغويا يعني جبر ما انكسر ولو كان جديدا، أو ترميم ما تهدم لتجديد ما اندثر لو كان قديما، أداة أو إنسانا، حتى يصبح صالحا للاستفادة والإفادة أي للأخذ والعطاء وليس أحدهما بديلاً عن الآخر.
لكن العاطلين عن الاستزادة من العلم والمعطلين قدرات غيرهم عن العمل، أولئك الذين هم في مجتمعاتهم كالصخور وسط النهر، لا هم قادرون على اختزان الماء ولا هم قابلون بمروره لري غيرهم، والذين يرون أن هدفهم في الحياة هو الأخذ فقط دون رغبة أو قدرة على العطاء لغيرهم، هم أناس أنانيون أخلاقيا، ومحدودو الأفق فكريا والمجال عمليا..
وبالتالي فهم غير قادرين على تثقيف أنفسهم ولا على إصلاح مجتمعاتهم، وبالنتيجة لا يمكن أن يكونوا صالحين أو مثقفين، ولا تثقيفيين أو إصلاحيين، لسبب بسيط هو أن فاقد الشيء لا يعطيه..
إن المثقف الحقيقي هو ذلك الإنسان المهموم بالهم العام، ذو القيم الإنسانية النبيلة النابعة من القيم السماوية العظمى والمتمسك بالمثل العليا المعبرة عن حكمة مجتمعه، والواعي بقضايا العالم، والحالم بإصلاح العالم، والعازم على العطاء علميا وعمليا لاستمرار هذا الإصلاح، والغارم من أجل تطوير ذلك الإصلاح.
و«الثقافة» و«الإصلاح» علميا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، هما في علاقاتهما أشبه بالنظرية والتطبيق، وهي منظومة بناء إنساني ومجتمعي شاملة ومتكاملة روحية وفكرية وتربوية وسلوكية وعلمية وعملية في نفس الوقت.
أما «السياسة» فهي فن قيادة جموع الشعب بالتعبير عن إرادتها، وتوجيه حركة المجتمع في اتجاه مرغوب فيه من هذا الشعب، وفلسفة المسؤولين والمعنيين بالشأن العام بالنسبة لأسلوب الحكم، وإدارة الدولة في البناء والإصلاح والتطوير لعموم المجتمع، تحقيقا لإرادة الشعب..
فهي نتاج علم وفن وفلسفة إدارة الحكم، ونتيجة لطبيعة نسق العلاقات بين الحاكم والمحكوم، ونظام المشاركة الشعبية في صنع القرار الوطني، انطلاقا من نسق القيم الروحية والحضارية السائدة واتساقا مع الثوابت الوطنية والقومية القائدة، وانعكاسا للخصوصية الثقافية التي تحددها في كل وطن مكونات هذا الوطن البشرية والدينية والتاريخية والجغرافية.