يلعب الاعلام دورا بارزا، وربما يكون الاهم، في الحروب الحديثة، لانه يقوم بدور تعبوي خطير، ويمكن ان يؤثر بشكل قوي في الرأي العام سلبا او ايجابا، وقد اثبتت حروب اميركا الاخيرة في العراق وافغانستان مدى اهمية الاعلام، ولذلك رصدت له مئات الملايين من الدولارات.
المنطقة العربية تقف الآن امام حرب جديدة ربما تكون الاخطر من كل الحروب السابقة، فالهدف الاميركي هذه المرة هو ايران وبرنامجها النووي على وجه التحديد، ولذلك من المتوقع ان نرى عمليات تجييش للاعلام ووسائله المختلفة للتمهيد لها، تماما مثلما فعل قبيل الحرب الاخيرة على العراق.
ومن المفارقة ان الحلف الجديد، حلف المعتدلين، الذي تعكف الولايات المتحدة على الاستناد اليه في الحرب المقبلة ضد ايران، هو الحلف نفسه الذي استندت اليه في حربيها ضد العراق و القاعدة و طالبان في افغانستان، اي دول الخليج الست علاوة على مصر والاردن. وهذا الحلف القديم الجديد هو المهيمن على وسائل الاعلام العربية بشكل شبه مطلق.
فدول الخليج الست، والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، تحصل على عوائد نفطية سنوية تزيد عن 500 مليار دولار بسبب الارتفاع الكبير في اسعار النفط، واقترابها من ثمانين دولارا للبرميل، وهذه العوائد ستستخدم ليس فقط في تمويل صفقات اسلحة جديدة، وانما في تعزيز وسائل الاعلام الحالية، واصدار وسائل جديدة.
فمن اللافت ان مسيرة الاعلام الفضائي العربي المرئي انطلقت من قبل المملكة العربية السعودية بعد حرب العراق الاولى مباشرة، ومن العاصمة البريطانية لندن، وكانت محطة ام. بي.سي هي الاولى في هذا الصدد.
والهدف منها كان محاولة الوصول الى الرأي العام العربي الذي وقف في معظمه ضد تدمير العراق، وتعبئته الى جانب هذه الحرب والمشاركين فيها او تحييده في افضل الاحوال. ولهذا لم يكن غريبا ان تنطلق محطة العربية الفضائية بتمويل خليجي ايضا، وقبل الحرب الثانية على العراق ببضعة اسابيع.
في المقابل نجد ان الطرف الآخر، او محور الشر حسب التسمية الاميركية الذي يضم ايران وسورية وحزب الله والقاعدة، يحاول من جانبه ان ينخرط في الحرب الاعلامية المقبلة، وشاهدنا ايران تصدر قنوات جديدة تنطق باللغة الانكليزية، مثل محطة تلفزيون برس ، اضافة الى قنوات اطلقتها باللغة العربية مثل العالم ، ولكن هذه القنوات تظل ذات تأثير محدود في مواجهة الاخطبوط الاعلامي الغربي المتعدد الاذرع والذي يملك تراثا هائلا في التضليل والهيمنة ويتميز بطابع محترف.
اننا نقف الان امام ارهاصات حرب اعلامية طاحنة، ترصد لها مليارات الدولارات، ولا نعتقد ان خروج الولايات المتحدة عن المألوف واصدارها محطة تلفزيونية ناطقة بالعربية مثل الحرة ، ورصد هيئة الاذاعة البريطانية بي. بي.سي عشرات الملايين من الدولارات لاطلاق محطتها التلفزيونية الناطقة بالعربية مع نهاية هذا العام، كان الهدف منهما هو تثقيف المواطن العربي.
الحرب الاعلامية المقبلة ستعتمد على مبدأ الشيطنة فاعلام التحالف الغربي بكل توجهاته سيركز على شيطنة ايران وحلفائها وتضخيم اخطارها على المنطقة وشعوبها، خاصة منطقة الخليج، تماما مثلما فعل مع نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وسيستخدم الاعلام الآخر المضاد منهج الشيطنة نفسه ضد الطرف الآخر، ولكن مع تأثير اقل بسبب محدوديته وضعفه المهني.
ومن هنا فان البحث عن الحقيقة وسط هذا الكم الهائل من التضليل والحروب الدعائية سيكون عملية شاقة، متعبة، خاصة اذا وضعنا في اعتبارنا ان هناك اكثر من خمسمئة محطة فضائية ناطقة باللغات جميعا، تتنافس على عقل المشاهد في زمن الديجيتال ، علاوة على ملايين المواقع على شبكة الانترنت ناهيك عن الصحف والمجلات.
