لا ينكر أحد أن الرئيس جورج بوش هو أول رئيس أميركي يعلن صراحة تأييده لقيام دولة فلسطينية، وكان ذلك في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 على نيويورك. ولا ينكر أحد أن الولايات المتحدة هي صاحبة «خارطة الطريق» التي كشفت عنها لأول مرة قبل خمس سنوات، والتي كان من المفترض طبقاً لنصوصها أن تسفر آخر مراحل تنفيذها عن قيام دولة فلسطينية بحلول 2005 (نعم عام 2005 أي قبل عامين من وقتنا الراهن!).

وصلب عمل ومهمة اللجنة الرباعية الدولية التي تتصدرها الولايات المتحدة، ومعها الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا، هو تنفيذ خارطة الطريق بكافة مراحلها. لا ننكر أيضا أن واشنطن أطلقت سلسلة من التصريحات الايجابية التي تؤكد على أن تكون الدولة الفلسطينية المزمع تأسيسها «قابلة للحياة». وهذا التعبير ردده البيت الأبيض أكثر من مرة، وكذلك وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس.

إذن.. الولايات المتحدة لم تنكر حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم. بل يحسب لها أنها باتت على يقين بحتمية إنشاء هذه الدولة. ولكن الخطوات الأميركية لدفع مسيرة السلام كانت بطيئة، بل صاحبتها تصريحات أميركية تتحدث عن «الواقعية» و«العملية» في قضية الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية. وربما كان ذلك من الاسباب التي أصابت عملية السلام في السنوات الماضية بالفتور.

لقد مضت خمس سنوات على «الخارطة» التي ارتضاها الفلسطينيون ـ رغم أنها تمثل الحد الأدنى من طموحاتهم ـ ولم تر الدولة الفلسطينية النور. ويرجع ذلك في المقام الأول إلى أنه منذ أن بدأ الترويج لمشروع خارطة الطريق التي وضعت عليها حكومة ارييل شارون السابقة 14 تحفظا،

نفذت إسرائيل ـ في ظل تقاعس دولي ـ سلسلة من المخططات التوسعية وكلها تعد انتهاكا للقانون الدولي، كان أبشعها إقامة الجدار العنصري الفاصل فوق أراضي الضفة الغربية المحتلة، والذي ابتلع أكثر من نصف أراضي الفلسطينيين،

وبات وجود الجدار بمثابة السد المنيع الذي يمنع تواصل الأراضي الفلسطينية التي من المفترض أن تقام عليها دولة فلسطين. هذا الجدار الذي يرفضه المجتمع الدولي، سيشكل إحدى أصعب العقبات في طريق قيام دولة فلسطينية «قابلة للحياة». ولكن هل فقد الأمل؟

أول من أمس، أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، بعد محادثات مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في رام الله، ان إسرائيل مستعدة لبحث «القضايا الأساسية» التي ستقود قريبا إلى مفاوضات بهدف إقامة دولة فلسطينية.

وعندما طلب منها توضيح تصريحاتها قالت: «اعتقد أن كلمة «أساسية» تتحدث عن نفسها، وأعتقد أن الرغبة في التحرك باتجاه حل الدولتين متوفرة لدى الجانبين». لكن الوزيرة رايس لم توضح في تصريحاتها ما إذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت وافق على مناقشة «القضايا الأساسية» التي يسعى الفلسطينيون إلى مناقشتها، مثل وضع مدينة القدس والحدود.

وكان لا بد أن يكشف الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن) عن أسس التفاوض، ويزيح الغموض سواء في التصريحات الأميركية أو الإسرائيلية، إذ قال إن الأسس التي يسعى للتفاوض حولها مع الجانب الإسرائيلي معروفة، وهي «خارطة الطريق ورؤية الرئيس الأميركي جورج بوش والمبادرة العربية»،

وأكد أن «المهم هو أن نكون على دراية بما سنصل إليه في النهاية»، ملمحا بذلك إلى إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. لقد وضع أبومازن النقاط فوق الحروف بشأن أسس التفاوض مع الجانب الإسرائيلي. ولا نبالغ إن قلنا إن طريق المفاوضات قد يصبح مسدوداً مرة أخرى، إذا لم تمض المفاوضات على تلك الأسس التي حددها «أبومازن».