جاءت الآنسة رايس إلى المنطقة كالإعصار، ضربت هنا وهدّدت هناك وعادت من حيث أتت بلا نتائج ايجابية معلنة، وبسلّة غنية من النتائج السّرية التي سنعرفها ربما في وقت قريب، وربما بعد ربع قرن. تقول: لم أبشّر للمؤتمر ـ الاجتماع الذي دعا إليه بوش. وتقول: لا ترفعوا سقف التوقعات من هذا المؤتمر.
إذا كانت ناظرة الخارجية الأميركية تقول : إنها لم تأت إلى المنطقة لتسويق دعوة بوش لاجتماع العلاقات العامة والتطبيع المزمع عقده في الولايات المتحدة، الشهر القادم، فلماذا جاءت إذاً؟ ما الهدف من مجيئها؟ ما سرّ الجولة الحادية عشرة للوزيرة السمراء في المنطقة؟ هل هو حبها للسياحة أم للعرب أم للسلام؟
بعيداً عن كل هذه الأسئلة وغيرها، يمكن لأي عاقل إدراك حقيقة الأهداف التي تسعى الإدارة الأميركية الحالية إلى تحقيقها في المنطقة، والتي توجب ايفاد الآنسة كوندي ووزير الحرب روبيرت غيتس إلى المنطقة من أجلها.
فالوزيرة السمراء التي عيّنت نفسها قبل عام من الآن قابلة قانونية لتوليد «الشرق الأوسط الجديد» من رحم الحرب والدمار والدماء في العدوان الأميركي على لبنان، الذي نُفّذ بأيدٍ إسرائيلية، تعرف أن هذا المشروع الأميركي الذي أصيب بنكسة خطيرة هو طوق النجاة للإدارة الأميركية، وهو ـ في حال تحقق ـ الورقة الانتخابية القوية للجمهوريين في الانتخابات القادمة لمواجهة صعود نجم الديمقراطيين.
العام القادم سيكون عاماً انتخابياً، والحزب الجمهوري الذي سلم مفاتيحه للمحافظين الجدد بدأ يدرك أي خطأ جسيم ارتكب، وإدارة بوش غارقة في مشكلات افتعلتها على مدى ستة أعوام وسبعة أشهر بدءاً من أفغانستان مروراً بالعراق ولبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة، وصولاً إلى الداخل الأميركي حيث شعبية بوش في الأوحال، وحيث الكونغرس يقف بالمرصاد لإدارة بوش .
أمام كل هذه النكسات تجد الإدارة الأميركية نفسها مطالبة بتحقيق نصر خارجي، مهما كان وهمياً أو إعلامياً كي تداوي به جراحها وتحسن صورتها البشعة في الداخل والخارج، وتهدي الحزب الجمهوري الذي بدأ يتململ ويجهر بالانتقادات، ورقة يمكن استخدامها في العام الانتخابي الساخن.
من هنا يمكن فهم هذا التحرك الأميركي غير المسبوق طوال مدة ولايتي بوش، تحرّك باتجاهين: الأول بإيفاد رايس وغيتس إلى المنطقة، والثاني بالتحضير للاجتماع الذي دعا إليه بوش في الخريف القادم.
والسيناريو الموضوع يقوم على التالي: تهيئة الأجواء في المنطقة لإعادة الروح إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد عن طريق مواجهة الدول والقوى التي وقفت وراء دخوله غرفة العناية المشددة، وفي مقدمتها سورية وحزب الله وإيران، وهذا ما أعلنته رايس صراحة عندما أكدت أن الغاية من تسليح بعض الدول العربية وإسرائيل هو مواجهة هذا المثلث الصامد.
ونسيت رايس أن العرب لا يمكن أن ينخرطوا في مثل هذه الجريمة، مهما كانوا «حلفاء» للولايات المتحدة، ومهما بلغت درجة التزامهم بالإملاءات الأميركية ومهما ذهبوا بعيداً في التقرب من إسرائيل والتطبيع معها.
والسيناريو الأميركي الذي سينفذ على مراحل هنا في منطقتنا وفي الولايات المتحدة، يقتضي «بتحطيم » حركة حماس ـ كما تقول صحيفة معاريف الإسرائيلية ـ وتقوية فريق من الفلسطينيين على حساب فريق، وتكريس حالة الانقسام والخلافات السائدة على الساحة الفلسطينية، وهذا الأمر يجب أن يُنجز قبيل انقعاد اجتماع واشنطن الخريفي.
أما في هذا الاجتماع الخريفي، فإن المطلوب صكوك غفران عربية لإسرائيل بالجملة والمفرق، ومصافحات حارة، وربما « تبويس شوارب» وتطبيع العلاقات، هكذا من دون أي ثمن، وليذهب السلام وأهله إلى الجحيم!.
هذا جزء من السيناريو والمخفي أعظم وأخطر والعرب ـ أو بعضهم على الأقل ـ عمّا يجري غافلون أو مع الإعصار الأميركي سائرون، فهل نصحو قبل أن تقع الفأس في الرأس؟
