لا تتصوروا فرحتي حين سمعت عن زيادة المساعدات العسكرية الأميركية «لمصر وإسرائيل ودول الخليج» لأنها جاءت في وقتها المناسب جدا، حيث عالمنا العربي آمن في كل مناطقه، في لبنان وفلسطين والعراق والصومال ومناطق في السودان، ولا ينقص وطننا العربي سوى أسلحة تضاف إلى الأكداس السابقة، تلك التي مكنت شركات الأسلحة في الغرب من البقاء ونهب ثروات شعوب بينها من عانى الجوع والأزمات الاقتصادية الخانقة، لكن حين يرى الراعي الحصري للسلام أنها تحتاج إلى مزيد من الأسلحة فهذا من باب النظرة الثاقبة، الحريصة على سلامة كل عربي، من المحيط وحتى الخليج.

هذه الهبات القادمة من بلاد العم سام كرم حاتمي (ربما في الولايات المتحدة يعرفون العم حاتم) وتقدير متواصل لمنطقتنا الموسومة بأنها الشرق الأوسط الجديد قبل أن يغادر الرئيس بوش البيت الأبيض لاحقا بوالد صاحب الفضل السابق على المنطقة، الأب الذي استفاد من كرمنا العربي أيما استفادة، فمنحنا ذكريات جميلة تمتد من عاصفة الصحراء وصولا إلى نعوش الأطفال في العراق، والذين ماتوا نتيجة الحصار، بعد زمن كنا نعتقد فيه أنه لا يجوز تجويع شعب بأكمله انتقاما من حاكم متخم، لكنها كانت عدالة النظام العالمي الجديد.

قبل أيام صحوت على خبر هذه النخوة الأميركية، فالدولة العظمى الوحيدة في هذا العالم الرحيم الودود ستقدم عقودا عسكرية ضخمة قيمتها أكثر من عشرين مليار دولار أميركي، والمثير أنها تقدم لها للتصدي للقاعدة، (وهذه نفهمها)، لكن كيف تتصدى مصر ودول الخليج لحزب الله (في لبنان) ولسوريا (دولة عربية شقيقة) ولإيران (جارة مسلمة شقيقة)؟!

وحتى لا تفوّت واشنطن فرصة في إفهامنا أنه من واجبها الحفاظ على التفوق النوعي لإسرائيل فقد أعلنت أن الطفلة المدللة ستنال خلال العشر سنوات المقبلة مساعدات عسكرية تبلغ ثلاثين مليار دولار، أي ثلاثة مليارات كل عام، والسؤال المطروح حول الأمكنة التي ستمارس هذه الأسلحة دورها الترفيهي فيه، ومن المهم النظر إلى أن الدول العربية المحظيّة بالمساعدات لا ترى تهديدا للسلام في المنطقة أكثر من إسرائيل، فهي التي قتلت وتقتل العرب في لبنان وفلسطين لسنوات طويلة.

إن التحديات التي تخل بأمن المنطقة ليست كلها قادمة من وراء الحدود، فمن بين التحديات الأمنية ما هو نابع من داخلها، كالإرهاب الذي يضرب هذه الدول وله مسبباته التي من بينها الفقر والتخلف وغياب الأفق على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وربما لا يحبذ البعض إيجاد المبررات للقتلة، لكن إغماض الأعين دونها لا يلغيها.

ومن المثير أن هذا الكرم يسمى أحيانا مساعدة ستتم وفق عقود، وبالعربي الفصيح أنها لن تكون هدية بريئة الهدف منها الحفاظ على أمن واستقرار هذه البلدان، بل هدايا «مفخخة» مطلوب منها حماية المصالح الأميركية في هذه البلدان.

يحتاج المواطن العربي إلى أشياء أبسط من هذه المليارات، إلى مستشفى يقدم له العلاج بسهولة ومجانية، إلى مقعد جامعي يكمل فيها ابنه دراسته، إلى سكن لائق يهجع إليه بعد يوم طويل من اللهاث وراء لقمة العيش، إلى مجتمع معرفي وعلمي يجعله قريبا مما يحدث في العالم من تقدم علمي وتقني، فلا تأتي الرصاصة قبل عود القمح، ولا الدبابة قبل رغيف الخبز ولا المقاتلات الحديثة قبل التقنيات الأحدث، يحتاج الوطن العربي لمعدات تعينه على الحياة.. لا تسرق منه الحياة.

نعم، لم يكن هناك طحين ضمن المساعدات العسكرية، لكنها أشبه بالزيت، وفقط يحتاج الزيت لمن يشعل الفتيل!!