تعودنا دائما أن نتحلى بالحذر الشديد عند التعليق على اية توجهات إيجابية قد تصدر عن الطرف الإسرائيلي فيما يتعلق بتنفيذ استحقاقات الحل النهائي والالتزام بمعايير الشرعية الدولية ، لأن التجارب السابقة تؤكد بأن معظم الوعود ذهبت أدراج الرياح وكان معظمها للاستهلاك الإعلامي وكسب المزيد من الوقت الثمين الذي تستغله إسرائيل في تغيير ملامح الأرض الفلسطينية لجعل عملية التفاوض أكثر صعوبة.

في الأسبوعين الماضيين حدثت بعض الاختراقات السياسية الإيجابية ، بالرغم من استمرار العدوان العسكري على عدة مدن فلسطينية.تجاوب إسرائيل النظري مع دعوات الرئيس الأميركي لعقد مؤتمر دولي حول الشرق الأوسط يمكن أن تناقش فيه قضايا الوضع النهائي أو يتم التمهيد لها يعتبر مناسبة جيدة لا بد من استثمارها عربيا وفلسطينيا.

وفي التوازي مع التصريحات النظرية كانت هناك موافقات أمنية واقتصادية إسرائيلية على إجراءات تدعم فرص تحقيق نتائج إيجابية لمصلحة الشعب الفلسطيني ومنها الموافقة على بناء مدينة فلسطينية بين رام الله ونابلس تتسع لحوالي 70 ألف فلسطيني.

بالطبع فإن هذه الإجراءات لا تشكل حتى الحد الأدنى المطلوب من إسرائيل ضمن القرارات الدولية والاتفاقيات الموقعة ثنائيا وإقليميا من خلال العملية السياسية ولكن اي توجه يساهم في تحسين نوعية الحياة لدى الشعب الفلسطيني يجب متابعته والتأكد من تنفيذه لأن السير لخطوات صغيرة ولكن متتابعة يمكن أن يساهم في الوصول إلى مسافة أكثر قربا من هدف الدولة الفلسطينية المستقلة.

الجولة الأخيرة لوزيرة الخارجية الأميركية إلى المنطقة تميزت بنوع من الدبلوماسية الإيجابية في الشأن الفلسطيني وربما بهدف ترسيخ حالة التهدئة السياسية الفلسطينية - الإسرائيلية - ومن ثم تقوية دعائم الحكومة الفلسطينية الجديدة من خلال تقديم مساعدات اقتصادية ووعود سياسية تساهم في رفع اسهمها في الشارع الفلسطيني الذي يريد أن يشعر بوجود تطورات إيجابية مباشرة على نوعية الحياة والفرص المتاحة للعمل على تحقيق هدف الدولة الفلسطيينة المستقلة.

ولكن كان من المفيد جدا أن زيارة رايس تجاوزت هذه المرة البروتوكولات الاعتيادية والشأن الأمني إلى فتح أبواب القضايا السياسية الرئيسة وخاصة مفاوضات الوضع النهائي.

ومع ذلك فإن التصريح بطرح مفاوضات الوضع النهائي يجب أن يكون دائما مرتبطا بالمرجعية السياسية لها وهي قرارات الشرعية الدولية والمبادرة العربية بشكل اساسي لأنه وبدون الربط المرجعي سوف تبقى التصريحات تدور في دائرة خالية من كل أدوات التنفيذ ولا تهدف إلا إلى إضاعة المزيد من الوقت ونحن نعرف تماما أن الطرف الإسرائيلي ولا أحد غيره هو المستفيد من استمرار الوضع الراهن والذي يتحول إلى إجراءات على أرض الواقع تجعل البنية التحتية للاحتلال أكثر رسوخا من الناحية العملية وإن كانت غير مقبولة ابدا من النواحي السياسية.

كما أكد جلالة الملك عبد الله في الكثير من تصريحاته فإن المطلوب ليس مناسبات جديدة لالتقاط الصور والخطابات بل العمل الجدي على تطوير البنية الأمنية والاقتصادية والسياسية الكفيلة بالتوجه نحو حل الدولة الفلسطينية بكل معطياته التي تستوجب تنفيذ إسرائيل للمطلوب منها في الإنسحاب من الأرض المحتلة وإيقاف بناء المستوطنات والتوقف عن التصعيد العسكري وبدون هذه الإجراءات الواقعية لن يغادر التفاؤل السياسي المربع الأول ولن تكون الإجراءات الأخيرة إلا كسبا للمزيد من الوقت لمصلحة إسرائيل.