كانت رشيدة داتي حتى أشهر قليلة اسما مجهولا، مجرّد رقم تقريبا بين مئات الآلاف من أبناء المهاجرين الذين دفعتهم ظروف الحياة في بلدانهم إلى الابتعاد عنها بحثا عن تحسين مستوى معيشتهم، هذا إذا لم يكن بحثا عن لقمة العيش نفسها. كانت فرنسا قد استقدمت الآلاف المؤلّفة منهم للمشاركة في نهضتها وازدهارها كيد عاملة رخيصة قابلة لعمل كل ما يقترحونه عليها.

عربية الجذور والملامح أيضا، فهي ابنة عامل بناء جزائري وأم مغربية، ربّة بيت بامتياز لم تفعل في حياتها سوى تربية أبنائها الذين بلغوا ال«دزّينة» بالتمام والكمال.

بعد هذه الأوصاف كلها المثيرة للشكوك ربما حتى فترة قريبة وفي أجواء النظر إلى المهاجرين وأبنائهم ك«نغمة نشاز» من قبل شرائح في المجتمع الفرنسي، لا بد هنا من فتح قوسين للتأكيد أن الفرنسيين ليسوا عنصريين بطبيعتهم فهم أصلا يمثلون تمازجا كبيرا من الأجناس والأعراق عبر مسيرة تاريخية طويلة. ولا أزال أذكر ما قاله ذات يوم الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران في إحدى قاعات جامعة السوربون وجاء فيه: أتساءل كم نحن ـ يقصد الفرنسيين ـ أسبان وكم نحن طليان، وكم نحن أفارقة، وكم نحن عرب... شهدت القاعة، عند التلفظ بهذه الجملة الأخيرة، حركة «غير مرئية» وإنما مسموعة. فأردف ميتران بلهجة حازمة وحاسمة: نعم أيها السادة، أتساءل كم نحن عرب.

فرنسا لم تتغيّر... بعض ساستها اليمينيون المتطرفون حاولوا دفعها في طريق التطرف العنصري، وجعلوا من المهاجرين «الشمّاعة» التي علقوا عليها كل مشاكل المجتمع الفرنسي، وفي مقدمتها البطالة التي غدت مرضا مزمنا، هذا إذا لم يكن «مستعصيا». ولا يختلف اثنان اليوم أن أبناء الهجرة يشكّلون «كمّا» مهمّشا إلى هذه الدرجة أو تلك لأسباب عديدة. وما نشهده اليوم ليس سوى نتيجة لمقدمات سابقة.

رشيدة داتي هي إحدى بنات الجيل الثاني، كما يقال للدلالة على أبناء المهاجرين الذين قدموا بغالبيتهم الساحقة من المستعمرات الفرنسية السابقة، وبقوا على هامش المجتمع الجديد. بل حافظوا على «أميّتهم» على صعيد تعلّم لغته. و«مبارك» والد رشيدة نموذج معبّر عن هؤلاء. الأمر مختلف بالنسبة لأبنائهم الذين دخلوا المدارس وانخرطوا في النسيج الاجتماعي وعانى البعض منهم، لا شك، من أزمة هوية بسبب «الانتماء إلى عالمين»، عالمهم وعالم الآباء. لكن العديدين منهم حققوا تحصيلا علميا عاليا واندمجوا في الحياة العامة لبلد مولدهم. ورشيدة داتي نموذج معبّر عن هؤلاء.

لا أقصد هنا الكتابة عن رشيدة داتي ومسيرة حياتها ودراستها التي تستحق ولا شك الإعجاب والاحترام، ولا عن مسيرتها المهنية من بائعة «متجولة» تدق الأبواب عندما كانت طالبة ثانوية بحاجة إلى مصدر دخل لسد نفقات التعليم، وصولا إلى عملها في سلك القضاء لمدة أربع سنوات ومرورا بعملها ك«مساعدة ممرضة» ليلية في أحد مستوصفات منطقة إقامتها. ولا أنوي الحديث أبدا عن خياراتها السياسية، فهذه تعنيها وتلزمها وقد عرفت جيدا كيف «تزاوج» بين قناعاتها وطموحاتها. لقد كانت لها بالتأكيد «حساباتها» عندما أعلنت عن دعمها «بلا تحفظ» لمشروع الرئيس نيكولا ساركوزي منذ أن كان مرشحا «محتملا». وقد عملت كمستشارة له عندما كان وزيرا للداخلية ثم ناطقة باسمه أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة. وكان له هو أيضا «حساباته» في تقريب رشيدة داتي لتصبح أحد أعمدة فريقه الانتخابي... ثم تعيينها وزيرة للعدل في الحكومة التي أعقبت انتخابه رئيسا.

رشيدة داتي وزيرة للعدل في حكومة الجمهورية الفرنسية، مسألة تحتاج للتوقف طويلا. إنها مسألة تتجاوز الشخصية نفسها وتعييناتها الخاصة، كي تصبح «رمزا» وبأكثر من دلالة.

إنها أولا رمز من حيث أنها شابة في بداية الأربعينات، وتعيينها ك«حاملة لأختام» الجمهورية يعني أن جيلا جديدا يقتحم ساعة السياسة، مما يشكل «قطيعة» حقيقية في مسيرة الجمهورية الفرنسية الخامسة التي قادها حتى الآن الرعيل الأول من الساسة المخضرمين، ابتداء من مؤسسها الجنرال شارل ديغول ـ عام 1958 ـ وحتى الرئيس جاك شيراك الذي كان سكرتير دولة في عهد الجنرال، ومرورا بالرؤساء جورج بومبيدو وفاليري جسكار ديستان وفرانسوا ميتران. المسألة مختلفة مع نيكولا ساركوزي، ومختلفة «جذريا» مع تعيين ابنة عامل بناء جزائري وزيرة للعدل.

ورشيدة داتي رمز أيضا من حيث أنها «عربية»، وربما بدقة أكبر أنها من أصول عربية. إن تعيينها في منصب وزيرة للعدل، أي المنصب الذي كان ترتيبه يأتي حتى فترة قريبة مباشرة بعد رئيس الحكومة، قد هزّ النفوس وحرّك المشاعر «بكل الاتجاهات» لدى عامة الفرنسيين. كان هؤلاء قد ألفوا أن يتم تعيين أحدهم من أصول عربية في منصب سكرتير دولة لشؤون لها علاقة بالهجرة، ولم يكن مألوفا حتى وجود عربي تحت قبة البرلمان. واليوم وجود رشيدة داتي على رأس منصب رفيع كوزيرة للعدل ليس مجرد حدث، وإنما الحدث ـ المنعطف. ومهما قيل ويقال إنها مجرد «دمية» وورقة «دعاية» بيد الرئيس ساركوزي، فلا شك أنه قد تصرّف بجرأة وبذكاء حرّكا «البحيرة الجامدة» وجعل فرنسا تختلج في العمق.

وهناك أيضا قيمة رمزية كبيرة في كون أن رشيدة داتي امرأة... ومن أصول عربية. الرسالة تكمن قراءتها في أكثر من اتجاه. صحيح أن المرأة في فرنسا لم تنل حق الاقتراع، وأن تكون ناخبة ومنتخبة، إلا في عام 1945. وصحيح أن رشيدة داتي ليست المرأة الأولى التي تتبوأ منصب وزير العدل في فرنسا، لكن وصول امرأة من أبوين عربيين قادهما مصيرهما للعيش في أرض الغربة التي أصبحت أرض الوطن بالنسبة لأبنائهما، يطرح ب«القياس» مسألة مكانة المرأة في عالمنا العربي ـ الإسلامي. كنت أتمنى لو أنني أكتب اليوم عن امرأة عربية وصلت في أحد بلداننا العربية إلى منصب رسمي رفيع و«فاعل أولا»، ولا أقصد هنا المناصب الفخرية. ولتعيين رشيدة داتي وزيرة للعدل في الجمهورية الفرنسية أيضا دلالته الرمزية الكبيرة من حيث أنها من وسط اجتماعي متواضع. وتقول هي نفسها إنها قد ترعرعت في حي «كان جميع سكانه فقراء، لكن لم يكن ذلك خطيرا إذ كنّا سعداء». وحكاية نجاحها تشكل رسالة واضحة للآخرين القادمين من بلاد أخرى، وكإشارة سريعة والد الرئيس نيكولا ساركوزي هو أيضا مهاجر «مجري»، والرسالة أيضا واضحة.

لا شك أن مهمة رشيدة داتي لن تكون سهلة في تسيير ملفات وزارة العدل الشائكة، وسيكون هناك الكثيرون ممن لن يسهّلوا مهمتها، هذا إذا لم يلقوا في طريقها «قشور الموز» كي تتزحلق. ثم إن طريقتها، كما تبدو ملامحها الأولى، في الذهاب أبعد بطريق تشديد الإجراءات القمعية والعقوبات، قد لا تكون هي الأنجع والأسلم. الأيام القادمة هي التي ستحكم. لكن ومهما كان من أمر فإن اسم «رشيدة داتي» قد دخل في حوليات التاريخ السياسي الفرنسي كرمز لأحد أهم منعطفات العصر الحديث.

رشيدة فرنسية... وزيرة للعدل في الجمهورية الفرنسية الخامسة. كلا، الفرنسيون ليسوا عنصريين.

كاتب سوري