مر العراق خلال السبعة والعشرين سنة الماضية بأسوأ سني تاريخه المعاصر، والتي بدأت مع قرار الرئيس العراقي السابق صدام حسين شن حربه المشؤومة على إيران مرورا بقراره الكارثي باحتلال الكويت، ثم أخيرا الاحتلال الأميركي للعراق وبداية دخوله في حرب أهلية مدمرة للذات لا يعرف كيف ومتى يمكن إيقافها.
فالعراق سواء أكان في فترة حكم حزب البعث وفي استواء الرئيس العراقي الراحل في نهاية السبعينات على الحكم فيه من خلال القضاء على الأجنحة والشخصيات المناوئة له داخل الحزب الحاكم، أو في ظل الصراع القائم الآن على القوة بين الفصائل الإسلامية في العراق، فإن قواه السياسية قد دخلت في حروب وصراعات لم يكن الشعب العراقي طرفا أو راغبا فيها.
رغم أنها قد شنت باسمه ودمرت كل إمكانياته البشرية والمادية. وفي الوقت الذي يحصل بارونات الحروب على كل الحماية في الداخل والخارج، بات الحزن والدم يحيطان بالشعب العراقي من كل جانب. إن العفوية التي تفاعل فيها المجتمع العراقي بكل طوائفه وإثنياته وأديانه مع حدثين اثنين خلال الأشهر القليلة الماضية.
تثبت أن هذا الشعب لم يكن إلا وقودا لأباطرة الحروب من الإيديولوجيين القوميين والإسلاميين في حروبهم على توزيع القوة في الداخل والخارج، غير عابئين أو مكترثين لحجم الدمار الذي ألحقوه بهذا المجتمع وبمقدراته.
فحجم الفرح الذي عم المجتمع العراقي قبل بضعة أشهر بفوز ابنته الشابة الجميلة شذى حسون بالمركز الأول في مسابقات غناء ستار أكاديمي، ومؤخرا فرح كل العراقيين بفوز منتخبهم بكأس الأمم الآسيوية، وما أفصحت عنه تعبيراتهم العفوية التضامنية، ليؤكد أن حالة الاقتتال بين طوائفه وجماعاته العرقية لم تكن إلا حالة مختلقة من قبل أحزابه الأيديولوجية أو الإسلامية، والتي بات قتل العراقيين طريقها نحو السلطة أو سبيلا لتعظيم مغانمها أو الاحتفاظ بها.
لقد صفق أهل البصرة والناصرة وبغداد وأربيل والأنبار وذي قار والفلوجة لمطربتهم الشابة شذى، كما خرجوا فرحين بانتصار فريقهم في دوري الأمم الآسيوية، وهي عفوية لا يستطيع أي من الساسة العراقيين السابقين والآنيين إحداثها.
فهل آن الأوان لهذه الأمة، التي لم يدخلها الفرح خلال السبعة والعشرين عاما الماضية، أن تعلن الرفض لكل من أضاع مقوماتها وسرق خيراتها ودمر نسيجها الاجتماعي وأطاح بتآلفها الإثني، وأن تُبشر بالبديل القائم على الفرح والمحبة والشراكة الدائمة؟
وإذا ما كانت الايديولوجيا القومية والدينية قد أفرغت هذا الشعب من مقومات القوة وأطاحت بكل إمكانيات صعوده، فهل تمثل الرياضة والغناء قناته الوحيدة للخروج من ظلمة ليل طال إلى نور نهار لم يخرج بعد؟
فحالة الفرح التي شاهدناها على وجوه كل العراقيين في الداخل والخارج العراقي، لا تعكس فحسب رغبة في الخروج من التيه الذي أدخلهم فيه كل الساسة الذين تعاقبوا عليهم منذ نهاية ستينات القرن الماضي حتى الآن،
وإنما تعلن عن رغبة للبديل غير المؤدلج بكل أشكاله ومسمياته، بل وتعكس تعب وملل هذه الأمة من الايديولوجيا التي عبثت بكل مقدراتها منذ أن استوت على حكمه حتى الآن. إنها رغبة في أن يكون الغناء ممثلا للفرح، وأن تكون الرياضة جامعة للناس كل الناس بكل مسمياتهم وأعراقهم وأديانهم.
نعم شتان بين أناس وحدوا العراقيين ورسموا الفرحة على وجوههم والابتسامة على شفاههم، وبين أولئك المتربصين لهم في الزوايا المظلمة من زارعي الموت والحزن في صفوفهم. لقد آن الأوان لتخرج الايديولوجيا بجماعاتها كي يدخل الفرح لنساء العراق ورجالاته وليُنشر بين الأرامل والثكالى واليتامى والتائهين في بقاع الأرض بحثا عن رحمة ورزق وسلام،
حتى يعود العراق عراقا لكل العراقيين بعربه وكرده، شيعته وسنته، مسيحييه ومسلميه ولكل معتنقي الأديان الأخرى. نعم لقد بدت العفوية أكبر من أن تطمسها أو تدنسها أطروحات إيديولوجية هنا ونوازع عصبوية طائفية هناك، فهل يمثل ذلك إيذانا ليوم قريب؟