مما لا شك فيه أن احد أهم محاور العلاقات الروسية ـ العربية هو المحور الفلسطيني، ليس فقط بسبب العلاقات التاريخية بين الجانبين، وإنما أيضا لأن أكثر من مليون مهاجر من مواطني الاتحاد السوفيتي السابق أغلبهم من الروس، يعيشون في إسرائيل.
بل إن جماعات منهم بدأت تعود إلى روسيا بسبب تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية في إسرائيل، وتحسن الظروف الاقتصادية في روسيا، ما دفع هؤلاء المهاجرين، الذين تركوا بلادهم لأسباب اقتصادية، ليس لها علاقة بالجوانب السياسية أو العقائدية إلى الهجرة لإسرائيل، للعودة إلى روسيا بحثا عن الاستقرار والحياة الآمنة.
ويبدو واضحا في اتجاهات سياسات روسيا الخارجية تجاه قضية النزاع العربي ـ الإسرائيلي تغييرات ملموسة، تتميز عن مواقفها خلال فترة حكم الرئيس الراحل بوريس يلتسين، الذي تخلى عن حلفاء موسكو في الشرق الأوسط لصالح تطوير علاقات روسيا مع الدول الغربية وأصدقائها، متجاهلا أن الأسواق التقليدية للمنتجات الروسية لن تكون أسواق الدول الأوروبية.
ولعل اندفاع يلتسين والحكومات الروسية الإصلاحية خلال التسعينيات من القرن الماضي كان السبب المباشر لهذا الوضع الاقتصادي المعقد الذي تعيشه روسيا اليوم، وبعد أن كانت روسيا دولة صناعية منتجة للآليات الضخمة والمعدات المستخدمة في بناء المصانع والأسلحة،
وكانت تصدر منتجاتها إلى أسواق العالم العربي وجنوب شرق آسيا، تحولت إلى دولة تصدر ما تستخرجه من النفط والغاز إلى الأسواق الغربية، بعد أن تعطلت أو انهارت قاعدتها الصناعية الضخمة، وبالتالي فقدت أسواقها التقليدية في الشرق الأوسط وشرق أوروبا وجنوب شرق آسيا. وبدلا من أن تصدر منتجاتها من الطائرات المدنية والسيارات أصبحت تستوردها، وتصدر ثرواتها الطبيعية.
لقد دفع الواقع الحالي الكرملين للعمل على استعادة نفوذ روسيا في المنطقة العربية عبر مختلف السبل المتاحة، ومما لا شك فيه أن هذا التوجه الذي يعبر عن مصالح قطاعات الأعمال الروسية والمؤسسات الإنتاجية، يمر بصراع ضار خلال صياغة ملامحه، بين اتجاهات ترى أن إسرائيل يمكن أن تكون مرتكزا لروسيا في المنطقة،
ويدعو لإقامة علاقات متميزة معها، واتجاه آخر يعتقد أن العلاقة مع إسرائيل لن تحقق مصالح روسيا، وان موسكو لديها حلفاء منذ منتصف القرن الماضي في المنطقة يجب تطوير صلات التعاون معهم على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وتأتى الأحداث الأخيرة في الساحة الفلسطينية لتكشف عن تعارض هذه الاتجاهات، ففي الوقت الذي تحرص فيه موسكو على صلاتها مع كافة الأطراف الفلسطينية، ويعرب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن تأييد موسكو لمحمود عباس بصفته الرئيس الشرعي لفلسطين، ويبحث معه السبل العملية لتقديم المساعدة للفلسطينيين، بل ويعرض وساطة روسيا لحل الخلاف الناشب بين فتح وحماس لرأب الصدع الفلسطيني.
يحذر المحللون الروس المتعاطفون مع إسرائيل، من المشاركة المفرطة لروسيا في الوضع المتأزم في فلسطين، ويدعون لمقاطعة حماس، بل ويعتبرون أن المسألة تكمن في ما إذا كان بالإمكان القضاء على حماس (كقوة حاكمة في غزة) بجهود عربية داخلية، ويرون ضرورة اتخاذ إجراءات ضد حماس مماثلة للإجراءات التي اتخذت في الشيشان وأفغانستان. ويرفض هؤلاء أية خيارات أخرى في التعامل مع هذه الحركة،
بل ويرى هذا الفريق من المحللين أن إحلال الاستقرار في قطاع غزة لن يتحقق ما لم يعد الجيش الإسرائيلي. هذا الفريق يدعو الكرملين لعدم التعاطي مع الأطراف العربية، وتطوير التعاون مع إسرائيل باعتبارها الدولة الأكثر تطورا واستقرارا، بل ويذهب إلى ضرورة التجاوب مع المطالب الإسرائيلية والغربية في ما يخص الملف الإيراني.
أما الفريق الآخر فيعتقد أن نجاح الوساطة الروسية بين السلطة الفلسطينية وحماس، ورأب الصدع الفلسطيني، يعبر عن نجاح الدبلوماسية الروسية وتوطيد نفوذها في المنطقة، ويؤكد فشل السياسة الأمريكية التي تتحمل مسؤولية تدهور الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، وفق قناعة هذا الفريق. ويدعو أنصار هذا الاتجاه إلى بلورة رؤية روسية استراتيجية تجاه الشرق الأوسط، باعتبار أن سياسة روسيا في الشرق الأوسط ليست واضحة.
ولا بد من الاعتراف بأن السياسة الأمريكية قد فشلت في الشرق الأوسط، فاستمرار تدهور الأوضاع الأمنية في العراق، وتفاقم النزعات والصراعات الطائفية والمذهبية فيه أدت لتمزق هذا البلد، كما أن سياسة فرض الحصار ضد الشعب الفلسطيني تسببت في تدهور الوضع السياسي وأدت إلى تجميد التسوية السلمية وطغيان نزعات التطرف لدى بعض القوى الفلسطينية ولجوئها لأساليب الصدام الدموي، التي وضعت المنطقة على فوهة بركان.
إن حرص موسكو على مواصلة صلاتها مع مختلف الأطراف في الساحة الفلسطينية، يعود لقناعتها أن تهدئة الوضع تتطلب استيعاب كافة القوى نحو الطريق السلمي للتسوية، بدلا من الضغط عليها ومحاصرتها، ما سيؤدى حتما لانفجار مدو. ونجاح الدبلوماسية الروسية في تحقيق ذلك لا بد وأن يقود لإزاحة النفوذ الأمريكي قليلا، ليفسح المجال للنفوذ الروسي.
ويكشف البلاغ الذي أصدرته وزارة الخارجية الروسية عن جوانب أخرى تدفع موسكو للسعي إلى استعادة نفوذها في المنطقة. ونظرا إلى أهمية المنطقة استراتيجيا من وجهة نظر سلامة واستقرار سوق الوقود العالمية، فقد حذر البلاغ من تفاقم النزاعات الطائفية والتطرف وتنامي الخطر الإرهابي،
واعتبر أن هذا الوضع يفرض على روسيا وأطراف المجتمع الدولي تفعيل دورها من أجل الحيلولة دون استمرار تدهور الوضع في الشرقين الأدنى والأوسط، وتوجيه المنطقة نحو السلام، ويشير بلاغ وزارة الخارجية الروسية إلى أن هيئة رئاسة الوزارة قد صادقت على مجموعة من الإجراءات بهدف تعزيز مواقع روسيا في الشرقين الأدنى والأوسط.
إن استقرار المنطقة العربية بفضل جهود الدبلوماسية الروسية لن يوفر الأرضية لتطوير التعاون الروسي ـ العربي فحسب، وإنما سيخلق المناخ الملائم لنشاط كافة الاستثمارات الأجنبية والمحلية في المنطقة، وسيوفر الأمن والحماية لمصادر الطاقة التي تشكل احتياجا حيويا لغالبية بلدان العالم،
ولهذا لا بد أن تسعى كافة أطراف المجتمع الدولي لإحلال الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، وان تدرك أن هذه المساعي ليست حكرا على طرف أو قوة دولية بعينها، كما أن احتكار البعض لذلك لن يحقق أية نجاحات تذكر، وهو ما نلمسه في العراق والأراضي الفلسطينية ولبنان، ما يؤكد أن السبيل إلى تحقيق استقرار في المنطقة يتطلب جهودا جماعية تراعي مصالح أطراف النزاعات المتفجرة.
مركز دراسات الطاقة روسيا