16 سنة من مفاوضات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين ولم تأت بشيء، وخمس سنوات من مطالبة الرئيس الأميركي بوش الابن بأن تكون هناك دوله فلسطينية (هذا لا يشكل اعترافا من الولايات المتحدة بل على إسرائيل أن تقوم به من خلال المفاوضات مع الفلسطينيين!) ولم تأت بشيء، وعدة مشاريع عربية للسلام طرحت ولم تأت بشيء، والآن يطالب الرئيس الأميركي بمؤتمر دولي للسلام، فهل سيأتي بشيء؟!
ليس هناك من سبب لأن يتمخض هذا المؤتمر عن حل دائم وعادل للقضية الفلسطينية لتكون نواة السلام العام في الشرق الأوسط، فالقضية الفلسطينية بين اللاءات الثلاث، الإسرائيلية التي لن تنسحب من الضفة الغربية والقدس وستهلك المفاوضات بشروط وقيود، والعرب لن يوافقوا عن أقل من الأراضي المحتلة 1967،
والفلسطينيون يطالبون بدولة مستقلة ذات سيادة وبحق العودة، إنها حلقة مفرغة لا ناتج لها، وبين (النعمات) الثلاث، فهناك الرئيس بوش كغيره من رؤساء أميركا السابقين يود أن يخلد اسمه بعمل عظيم كالسلام العربي الإسرائيلي، والسلطة الفلسطينية التي تراهن بموقف تفاوضي يُضعف من قوة حماس، وهناك الدول العربية التي تدعم البيت الأبيض لإزالة بؤرة عدم الاستقرار في المنطقة وإرجاع الحق لأهله.
وهكذا فإن هذهِ العوامل الاستراتيجية التي تشد من الجانبين سترهق المفاوضين كغيرها من المفاوضات والمؤتمرات التي سبقت، وفي الوقت الراهن كيف يستطيع المرء أن يتطلع إلى نتيجة من أقطاب ضعيفة في مفاوضات بين الحكومة الأميركية والإسرائيلية والفلسطينية وكل منها أضعف من الآخر؟
فلسطين وكفى، فالثورة التي أطلقها الشعب الفلسطيني من خلال صناديق الاقتراع التي أقرت أوروبا وأميركا بحريتها ونزاهتها أمام العالم، قلبت موازين الواقع حيث صرحت بأن ليس هناك ممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني غير الشعب الفلسطيني، أو ليست هذه هي الديمقراطية التي تنادي بها الولايات المتحدة كجزء من الترتيب الجديد؟ إننا ما زلنا نحاول أن نتلمس ما هو هذا الترتيب الجديد!
كفى القتل والاغتيالات والاجتياحات وصواريخ الطائرات والهيلوكبترات لضرب مصانع الصواريخ الفلسطينية التي فشلت في تدميرها أو حتى اكتشافها على مدى هذه السنين، إلى أن أصبحت هذه الهجمات ما هي إلا تغطية لفشل الموساد والاستخبارات العسكرية الإسرائيلية.
إن الاحتقان العسكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي لربما يدفع إلى الإرهاب الحقيقي، فالتطور الذي حدث في التقنية الصاروخية الفلسطينية مكنها من أن تصل أهدافها وتجرح وتقتل، فماذا لو استخدمت للدمار الشامل سواءً على المستوى الكيميائي أو البيولوجي، أين سيكون المنتهى تحت وطأة الاحتلال وغطرسة العدو وانعدام الأمل بالحياة؟
شرع القانون الدولي محاربة الاحتلال بجميع الطرق إلى أن يزول عن أرضه، إن تطوير أسلحة الدمار الشامل أو كما تسمى بالأسلحة القذرة لا يحتاج إلى تلك التكنولوجيا المعقدة ومن الممكن أن تستنسخ، فماذا إذا وضعت في أيدي الإرهابيين الحقيقيين أو طالت الشعب الإسرائيلي؟
فما هو المأزق الإسرائيلي هنا وهل ترد بالمثل أم تستخدم القنبلة الذرية (أين ستمطر سحابتها الذرية على إسرائيل أو أوروبا أو...) هل سيستوعب الغرب الهجرة العكسية من إسرائيل؟ دعونا نقتل القلق والأرق، فلسطين وكفى.
كفى احتقاناً، فإذا كان الوضع الإسرائيلي الفلسطيني ساخناً لدرجة الغليان فيجب أن يعزل عن دول الجوار أو حتى دول العالم والا تأثرت بهذا الغليان، نعم في حالة كهذه أول ما يتبادر للذهن هو القيام بتبريد الوضع وإلقاء الكثير من الثلج عليه.
إن المؤتمرات الدولية تفرض وتطالب، بينما الوضع الساخن يجب أن يُعزل ويعالج وتطبق عليه سياسة الاحتواء إلى أن تتغير الأمور. إنه من قبيل الخيال أن الإسرائيليين والفلسطينيين سيتوصلون إلى حلول في ظل عدم توازن القوى، لقد صرح الرئيس الأميركي عام 2002 أنه يود أن يرى دولة فلسطينية خلال ثلاث سنوات، أين هي هذه الدولة الفلسطينية؟
إن الخطوة الأولى في يد البيت الأبيض، فلتعلن أميركا اعترافها بفلسطين كدولة لها كرسي في الأمم المتحدة، بدون حدود تماماً كما هو حال إسرائيل. فهذه الخطوة تجعل المفاوضات بين دولتين على طاولة واحدة، مما يكسر الطوق الإسرائيلي على أساس التفاوض مع سلطة ويعطي الشعب الفلسطيني أملاً، وللعالم العربي والإسلامي خطوة إيجابية مع الولايات المتحدة لتعيد لها بعض ما تهشم من صورتها في هذين العالمين.
كفى محادثات سلام، فقد فشل الرئيس الأميركي السابق كلينتون في فرض معاهدة «آخر ساعة سلام» على الرئيس الراحل ياسر عرفات، فهل ستنجح مع رفيقه الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن)؟ أو هل سيلقى مصيره، مثل سلفه، في أحد المستشفيات الأوروبية؟
ما كل هذه التحركات المتزامنة والتي يقوم بها رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير ممثلاً عن اللجنة الرباعية الدولية ووفد الخارجية برئاسة وزيرة الخارجية الأميركية ولجنة الاتصال العربية لتفعيل المبادرة العربية؟
لا يمكن تحقيق سلام على أسس قوية بإزالة الغبار عن ملفات ومشاريع سلام قد تم انتشالها من المستودعات والخزائن، إنها لم تنجح عندما طرحت في الماضي، فما مدى نجاحها بعد تلك السنين؟ فلسطين وكفى.
يتطلع العرب والمسلمون إلى إعادة بناء جسور التعاون المشترك والاستقرار بخطوات إيجابية ومتتالية من الولايات المتحدة، التاريخ مليء بفشل التجارب الإملائية الأميركية على الدول العربية والعالم بصفة عامة.
ما نحتاجه هنا هو إعادة ترتيب الدبلوماسية الأميركية لجعل العالم أكثر أماناً، ليكون هذا العام لفلسطين الدولة المستقلة، وترك ملف السلام لتتابعه الإدارة الأميركية القادمة.
كاتب إماراتي