لا تكاد تعد أو تحصى تلك المبادرات والمشاريع التي طرحت لحل مشكلة الصراع العربي - الصهيوني منذ نشأته قبل قرابة قرن من الزمان، هذا فضلا عن مئات قرارات الأمم المتحدة التي لم ير النور اغلبها وبقيت حبيسة الأدراج لمعالجة آثار وتبعات هذا الصراع.

وآخر تلك المبادرات تلك التي طرح أفكارها الرئيس الأميركي جورج بوش مؤخرا بالدعوة لعقد «لقاء دولي للسلام» في الشرق الأوسط في الخريف المقبل يشمل الكيان الصهيوني والسلطة الوطنية الفلسطينية وبعض الأطراف العربية، لبحث مبادئ وأفكار عامة بشان التسوية وحل مشكلة النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي.

وقد رحبت السلطة الفلسطينية وبعض الدول العربية المعتدلة بهذه المبادرة ووصفها وزراء الخارجية العرب ـ ما عدا سوريا ـ الذين التقوا في القاهرة بأنها تحمل أفكارا ايجابية فيما رفضتها حركة حماس وبعض التنظيمات الفلسطينية الأخرى.

ولهذا الغرض ولأهداف أخرى قامت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ووزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس بزيارة شملت السعودية ومصر، حيث التقت في شرم الشيخ بوزراء خارجية الدول الخليجية الست بالإضافة لمصر والأردن وشرحت لهم تفاصيل مبادرة بوش وحرصه على الحل القائم على فكرة الدولة الفلسطينية الى جانب دولة الكيان الصهيوني.

وفي هذا الخصوص اكد رئيس الوزراء الصهيوني «ايهود اولمرت» على ضرورة بقاء حركة حماس «خارج اللعبة»، مع إمكانية تسليم السلطة الفلسطينية بعض ما وصفه بالسيطرة الأمنية على بعض مناطق الضفة الغربية شريطة تقديم محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية الضمانات الأمنية الملائمة، مع الاستعداد للموافقة على إقامة دولة فلسطينية على 90% من الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وفي الوقت الذي يتحدث فيه اولمرت عن هذه الأمور العامة فقد كانت قوات الاحتلال الصهيوني تقوم بعمليات توغل في قطاع غزة وتمارس سياسة تجريف الأراضي الفلسطينية واغتيال الفلسطينيين واعتقال العشرات منهم في الضفة الغربية وقطاع غزة وهدم بيوتهم.

كما جاء في نشرة لمركز الإحصاء الفلسطيني ان عدد المستوطنين اليهود في الأراضي المحتلة وصل الى قرابة نصف مليون مستوطن، موزعين على كتل استيطانية كبرى وصل عددها الى 144 مستوطنة بعضها تم بالفعل ضمها للكيان الصهيوني رسميا.

وفي محطتها الأخيرة في الضفة الغربية التقت وزيرة الخارجية الأميركية في رام الله مقر رئيس السلطة الفلسطينية بمحمود عباس ورئيس وزراء حكومة تسير الأعمال سلام فياض، حيث وقعت اتفاقا يقضي بتقديم 80 مليون دولار لدعم الأجهزة الأمنية الفلسطينية وتقويتها. ونقلت لرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية استعداد رئيس الوزراء الصهيوني لمناقشة «قضايا جوهرية» على الصعيد الفلسطيني.

فيما أكد الجانب الفلسطيني على ضرورة بحث القضايا المؤجلة مثل القدس والدولة الفلسطينية والتي نصت عليها خارطة الطريق ومساعي اللجنة الرباعية. لعل المتفحص لجولة رايس - غيتس وما طرحه بوش من أفكار بشأن المؤتمر الدولي، يدرك جيدا الانحياز التام للجانب الإسرائيلي وعدم السعي الجاد لبذل جهد حقيقي لإيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية،

وإنما هي مجرد مساع لتحريك جهود التسوية وجمع أطراف النزاع بما في ذلك بعض الأطراف العربية، في لقاء دولي عام الهدف منه التطبيع مع الكيان الصهيوني قبل بحث أي قضية جادة، وهذا ما أكد عليه الجانب الإسرائيلي بتشديده على ضرورة مشاركة دول الخليج العربية ودول المغرب العربي في أي لقاء دولي لإيجاد مخرج او حل للقضية الفلسطينية.

والتجارب السابقة علمتنا كيف يقوم المفاوض الإسرائيلي بالمراوغة والاحتيال للحصول على اعتراف وتطبيع مسبق قبل تقديم أي تنازل حقيقي، وكأنه يطرح على العرب الآن مشروعه للسلام والتطبيع والاعتراف مقابل فقط الموافقة على المشاركة في أي لقاء أو مؤتمر دولي.

فهل نعي ذلك جيدا أم إننا سننساق إلى فكرة اللقاء الدولي ونطبع مع الكيان الصهيوني ثم نفاوض على مسائل غير حيوية؟

musaabueid@hotmail.com