ما هو السر في ذلك السعي المحموم لواشنطن ولندن وباريس وراء محاولات تنصيب مجلس الأمن الدولي بديلا عن مجلس الأمن والسلم الأفريقي وصيا على مشكلة دارفور؟ وهل يعني صدور القرار 1769 وموافقة حكومة السودان عليه تراجعا من الخرطوم عن رفضها للقرارات السابقة، أم توافقا مع ما سبقت موافقتها عليه من اتفاقيات؟

في ما يبدو فإن ذلك السعي الثلاثي المحموم لإصدار مثل هذا القرار لم يكن بهدف تسريع الوصول لحل يضمن وحدة وسلام السودان، بقدر ما كان وسيلة غربية بعكس تلك الأهداف، لتسريع الالتفاف على مسار الجهود الأفريقية والعربية المتسارعة نحو الحل، ومحاولة لانتزاع ملف دارفور من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية، لتنفيذ الأجندة غير الخفية في دارفور ضد وحدة وسلام السودان.

وظني، وليس كل الظن إثم، أن الذين يسعون إلى وحدة وسلام السودان ليسوا أولئك الذين تقدموا إلى مجلس الأمن بمشروع القرار 1706 تحت الفصل السادس السيئ السمعة رحمه الله، ولا الذين وافقوا عليه تحت الضغط الأميركي، لفرض تدخل قوات دولية إلى دارفور السودانية دون طلب أو موافقة الحكومة السودانية فيما يشبه الغزو الدولي وينتهك السيادة السودانية، الأمر الذي دفع الرئيس السوداني عمر البشير إلى الرفض القاطع، والقسم بمقاتلتها باعتبارها قوات احتلال.

.. ولا هم الذين تقدموا بتسرع واضح ودون مبرر كاف لمجلس الأمن بالمشروع السيئ الصياغة للقرار 1769 تحت الفصل السابع، الذي يمكن أن يدخله الله في واسع رحمته أيضا، إذا تمكنت الأطراف السودانية في دارفور من تجاوز تعنتها بالتوصل إلى حلول سياسية في مفاوضات «أروشا» هذا الأسبوع،

ولا هم الذين لم يوافقوا عليه إلا تحت الضغوط الغربية الأميركية والبريطانية والفرنسية، وبعد تعديل صياغته مرتين تجنبا للرفض السوداني بما يحفظ السيادة السودانية ولا يتناقض مع قسم الرئيس البشير.

ذلك أن الطريق إلى وحدة وسلام دارفور كما هو الطريق نفسه إلى وحدة وسلام السودان، هو طريق السلام والوحدة الذي يبدأ من «أبوجا» ويمر ب«طرابلس» ويجب أن ينتهي في «أروشا»، موازيا للطريق الذي بدأ من «أديس أبابا» ومر «بالقاهرة» وانتهى في «الرياض»، وليس الطريق الذي بدأ من «واشنطن» مرورا «بلندن وباريس وتل أبيب» لينتهي في «نيو يورك».

ويقيني بما لا يخالجه شك أن الساعين الحقيقيين إلى سلام دارفور وسلام السودان ووحدة دار فور ووحدة السودان، هم الذين وقعوا في «أبوجا» على اتفاقية سلام دارفور برعاية الرئيس النيجيري «أوباسانجو» رئيس الاتحاد الأفريقي وبحضور وفود غربية وعربية و«زوليك» الأميركي..

وهم، قبل هذا الاجتماع وبعده،

أولئك الذين التقوا عدة مرات في «سرت»، سواء للمصالحة بين الحكومة والفصائل الدارفورية المعارضة أو في إطار مؤتمرين دوليين في «طرابلس» نتج عنهما انضمام أربعة فصائل إضافية لمفاوضات السلام في «أروشا» استكمالا لاتفاق «أبوجا».

وهم الذين اجتمعوا في الرياض برعاية العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز على هامش القمة العربية ليصلوا إلى توافق بناء يحفظ للسودان سيادته وحقه في الرفض أو الموافقة على القرار الأممي 1706 لفرض الإذعان والوصاية،

وقد تجاوب السودان، مع رفضه للقرار، مع المساعي الأممية والأفريقية والعربية بالموافقة لأول مرة على دعم القوات الأفريقية في دارفور بمعاونة لوجستية أممية قوامها ثلاثة آلاف جندي، تطبيقا لما سبق أن وافق عليه بإرادته الكاملة بتوقيع اتفاق «أديس أبابا» مع الأمم المتحدة بمشاركة الجامعة العربية و«جوناثان» الأميركي.

وهو الاتفاق الذي يعرف باسم «اتفاق الأحزمة الثلاثة» ويقبل فيه السودان دعما أمميا لقوات أفريقية تبلغ حاليا سبعة آلاف جندي، كما يقبل في المرحلة الأولى دعما لوجستيا أمميا، وفي الثانية دعما بقوات أممية محدودة تقدر بثلاثة آلاف جندي، وفي الثالثة يصل عدد القوات إلى عشرين ألفا بقيادة الاتحاد الإفريقي وليس الأمم المتحدة، وهو مالا يتعارض مع القرار الدولي الأخير.

mamdoh77t@hotmail.com