لم يعد مقبولاً أن يظل العراق على هذه الحال. نزيف دم بلا توقف.. تفجيرات تحصد أرواح العشرات بصفة شبه يومية، وكأن البلد بلا ضابط أو رابط. ويزيد الطين بلة هذا الاحتقان الطائفي الذي لا تخف حدته، بل يتزايد سواء في الشارع العراقي أو داخل الحكومة العراقية.

وازدادت خطورة الموقف بعد أن انسحب وزراء جبهة التوافق العراقية الستة ـ كبرى كتل العرب السنة في البرلمان ـ من حكومة نوري المالكي. وكانت الجبهة هددت قبل أسبوعين بالانسحاب من الحكومة والبرلمان في حال عدم الاستجابة لجملة من المطالب في مقدمتها إعطاء صلاحيات أكبر في القرار وإطلاق سراح المعتقلين، وأمهلت الحكومة أسبوعاً لتلبية مطالبها. وقال وزير الدولة للشؤون الخارجية رافع العيساوي، وهو احد الوزراء الستة للجبهة (44 مقعدا) مبررا الانسحاب «إن الحكومة لم تستجب للمطالب».

أزمة السلطة.. يصاحبها عنف يلاحق الأبرياء في شتى مدن العراق. ويكفي ما حدث أول أمس في نفس توقيت انسحاب جبهة التوافق من الحكومة، إذ سقط 150 قتيلا إلى جانب العشرات من الجرحى في عدة انفجارات، احدها في قلب بغداد قرب مقار رسمية بالغة الأهمية بينها مقر المجلس الأعلى الإسلامي العراقي ومقر للرئيس العراقي جلال طالباني.

وعند حصر الضحايا تبين أن من بين الجثث مجموعة من النساء. هكذا الحال في العراق الآن، ومنذ فترة. ولكن ما تكشف مؤخرا ينذر بمزيد من الانفلات الأمني وتصاعد العنف والفوضى وتعميق معاناة الشعب العراقي الشقيق. فقد اعترف مكتب المحاسبة التابع للقوات الأميركية أول أمس باختفاء 190 ألف قطعة سلاح سلمت لقوات الأمن العراقية في 2004 و2005.

وأوضح تقرير المحاسبة أن الجيش الأميركي لا يستطيع تحديد مكان حوالي 110 آلاف قطعة سلاح من نوع كلاشنيكوف، وحوالي ثمانين ألف مسدس و135 ألف سترة واقية و115 ألف خوذة سلمت للقوات العراقية.

والتساؤل المنطقي: أين ذهبت هذه الترسانة الضخمة من السلاح؟ انه ليس لغزا. فما دام مسلسل التفجيرات مستمرا، فهذا يعني أن القائمين على أمن البلاد غير قادرين على فرض الأمن والنظام.

الأمر لم يعد محتملا بالنسبة للشعب العراقي الصابر الذي يتوق إلى أي أمل لتحقيق أمن واستقرار فعليين يوفران له الطمأنينة. وهذا الأمل لا يمكن أن يتحقق إلا بتوافق العراقيين، وبالتحديد القادة والساسة، وتجاوز انتماءاتهم الطائفية أو السياسية.

لقد اقترحت الولايات المتحدة وبريطانيا توسيع دور الأمم المتحدة في العراق وقدمتا مشروع قرار، وزع على أعضاء مجلس الأمن الدولي ليلة أول أمس، يدعو إلى إعطاء دفعة قوية لعمل بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق «يونامي» بالترافق مع تمديد مهمتها لعام آخر.

ويطالب المشروع بعثة الأمم المتحدة بان تقدم «النصح والدعم والمساعدة» للعراق للمضي في حوار وطني شامل ومصالحة سياسية ومراجعة وتنفيذ الدستور. كما يدعو إلى أن تساعد البعثة العراق في استيعاب عودة ملايين اللاجئين الذين فروا من العنف، وتنسيق برامج إعادة الإعمار والمعونات ودعم الإصلاح الاقتصادي.

ومعلوم أن الأمم المتحدة تعمل بحذر في العراق منذ تفجير مكتبها في بغداد في عام 2003 الذي أودى بحياة 22 شخصا. لكن واشنطن على لسان سفيرها في الأمم المتحدة زلماي خليل زاد باتت تؤيد مشاركة المنظمة الدولية بشكل أكبر في عملية المصالحة في العراق.

إن أي دور ناجح تشارك فيه أطراف خارجية بما فيها الأمم المتحدة، يتوقف أولا على حرص كافة الأطياف العراقية على أن ترعى مصلحة الوطن وتحافظ عليه من الانهيار. وحدة الصف العراقي، هي وحدها الكفيلة بوقف نزيف الدم والتغلب على الفوضى الأمنية. المهم أن يتجاوز الجميع خلافاتهم الشخصية أو الفئوية، من أجل هذا الوطن الجريح.