كنا نود أن ندرك أبعاد القيمة الرمزية التي تتضمنها زيارة وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس مع وزير الدفاع روبرت غيتس في نفس الوقت إلى منطقة الشرق الاوسط ، فقد اتسعت الهوة بين المفاهيم وغدا أصعب من ذي قبل فهم النوايا الاميركية التي تزداد بدورها غموضا ، خاصة فيما يتعلق بتسوية القضية الفلسطينية .

على أية حالة إذا كان الوزيران جاءا إلى المنطقة معا لإعطاء انطباع للعرب بأن واشنطن أصبحت تدرك أهمية حل القضية الفلسطينية على نحو عادل فهذا امر يرحب به العرب ويدعمونه ، أما إذا كانت الزيارة الاميركية (المزدوجة) تهدف إلى إلقاء مزيد من التعتيم على الموقف الاسرائيلي واظهاره بمظهر الساعي إلى السلام دون اتخاذ خطوات حاسمة في طريق مفاوضات الحل النهائي ثم دعم فصيل فلسطيني ضد آخر لشق الصف الفلسطيني فان ذلك يعني مزيدا من انهيار الثقة في الموقف الاميركي ، فكل الشواهد تؤكد ان العرب لن يفرطوا في حقوقهم تحت أي ضغوط يمكن ان تمارسها الولايات المتحدة أو غيرها .

وقد كشف اجتماع شرم الشيخ امس الاول عن تباين في المواقف بين العرب والولايات المتحدة حسبما أشار عديد من المحللين السياسيين ، فقد توجس الجانب العربي من عودة محاولات الاغراء الاميركي للعرب بالوقوف مع واشنطن في أزمتها مع ايران مقابل وعود بحل القضية الفلسطينية وهذا يعيدنا إلى نفس القصة التي حدثت مع جورج بوش الأب خلال تجهيزه لإخراج العراق من الكويت في بداية التسعينيات من القرن الماضي فلما دعم العرب موقفه شكلت اتفاقات أوسلو عنصرا معقدا (لكسر القاف) بعد ان سرى التفاؤل في الشرق الاوسط بأن محادثات واتفاقات أوسلو ستكون عنصر حسم في حل القضية وقيام الدولة الفلسطينية وها هم الفلسطينيون يجنون الآن أشواك أوسلو بعد ان توقعوا ان يحصدوا ورودها وثمارها ، بسبب التعنت الاسرائيلي في تطبيق الاتفاقات .

بالطبع لقد أوجد هذا الوضع وما تمحض عنه من مرارة مزيدا من الحرص لدى الجانب العربي في التعامل مع أطروحات واشنطن الجديدة وتقريب الشقة بين العرب واسرائيل دون تقديم أية تنازلات من الجانب الاسرائيلي .

ويأتي دور موسكو ليلقى مزيدا من التحذير للموقف الاميركي بأن الوقت الذي كانت فيه واشنطن تستطيع الاستفراد بملف الشرق الاوسط قد أصبح شيئا من الماضي ، خاصة في ظل انفتاح موسكو على توجهات عربية محافظة مثل السعودية وحركة حماس اضافة إلى علاقة تقليدية قوية مع سوريا ، وتصريحات بوتين خلال استقباله الامين العام لمجلس الامن القومي السعودي الامير بندر بن سلطان امس تؤشر إلى دلالات مهمة في هذا السياق .

وكلما راوغت اسرائيل وساندتها واشنطن ، لعب الوقت في عكس صالح الاثنتين معا ، حيث غدت دول أخرى تجد توتر الشرق الاوسط مؤثرا على مصالحها ودافعا لها للتدخل مما يزيد الملف الفلسطيني تعقيدا ، ومما يزيد مناخ التشاؤم من زيارة رايس وغيتس اعلان أولمرت ان الفلسطينيين غير جاهزين لمفاوضات السلام وهو غير صحيح بالمرة وليدحض التفاؤل الذي دعت إليه أحاديث كوندوليزا رايس في رام الله أمس . وهكذا يطرح تناقض الدلالات والقراءات للزيارة الاميركية المزدوجة كثيرا من علامات الاستفهام وايضا اشارات التحذير لأميركا واسرائيل.