تتشابه الأمم في نموها وتطورها مع العناصر المادية المحيطة بها، فالأمم مثلها مثل جسم الإنسان الذي نعيش به، ومثل المنازل التي تؤوينا، ومثل السيارات التي نركبها، تصيبها عوامل الضعف والهرم والانهيار. وإذا كان المرء يمكنه الوقوف على عناصر الضعف التي تصيب الجوانب والعناصر المادية بسهولة ويسر فإن الوقوف على هذه الجوانب والعناصر بالنسبة للأمم أمر على درجة كبيرة من الصعوبة والتعقيد. ويعود ذلك للفترات التاريخية الطويلة التي تمر بها الأمم إبان تحولاتها المختلفة من ناحية، إضافة إلى كثرة وتداخل العناصر والأسباب المؤدية إلى تحلل وسقوط الأمم من ناحية أخرى.
كما أن الأمم ذاتها تتفاوت فيما بينها بخصوص العوامل المؤدية لضعفها وسقوطها، بحيث يمكن القول بعدم وجود صيغة محددة يمكن الارتكان إليها فيما يخص العوامل المحددة لضعف وسقوط الأمم. ورغم ذلك فإن حوادث التاريخ المختلفة وتحولات الأمم والحضارات العديدة تكشف عن وجود مجموعة من الأسباب التي تؤدي لضعف وسقوط الأمم. وهى أسباب عامة تلعب دورها في سقوط الأمم ضمن أسباب أخرى تختص بكل أمة، وبالسياق التاريخي الذي توجد فيه.
من أهم الأسباب المؤدية لضعف وسقوط الأمم غياب القانون وعدم احترامه والرهبة منه. ورغم أهمية وجود الجانب الأخلاقي قي المجتمعات الإنسانية فإن القانون يمثل في النهاية الإطار المرجعي الأساسي الذي يحتكم إليه الأفراد في كافة ممارساتهم وسلوكياتهم اليومية المختلفة. فالقانون ينحي تفسيراتنا الذاتية المطاطة للمقصود بالأخلاق جانباً، ليفرض نفسه كصيغ تشريعية متعارف عليها ومقبولة من كافة أفراد المجتمع. لذلك يصبح القبول المجتمعي للقوانين مسألة شاملة وعامة بغض النظر عن مدى قبولنا لهذه القوانين، ومدى تحقيقها لمصالحنا.
فإشارات المرور تمثل صيغة قانونية بسيطة وقاطعة في الوقت نفسه تفرض علينا التوقف عند الضوء الأحمر والانطلاق عند الضوء الأخضر. قد يرى أحد السائقين أن الوقت متأخر وأن الشارع خال من المارة الأمر الذي يدفعه لتجاوز الضوء الأحمر وعبور إشارة المرور. وقد يرى آخر أنه على موعد هام، وأن تأخره سوف يفقده مزايا هامة أهم من وقوفه أمام ذلك الضوء الأحمر. وقد يغامر ثالث بتجاوز الضوء الأحمر بعد أن يلاحظ غياب شرطي المرور. من الممكن ومن الوارد أن يمارس الكثير من السائقين مثل هذه الممارسات، وهى تفسيرات ذاتية مصبوغة بصبغة أخلاقية متفاوتة التبرير والمصالح، لكن يبقى في النهاية أن هناك إطاراً قانونيا حاكماً لعملية القيادة يؤكد على ضرورة الوقوف عند الضوء الأحمر والانطلاق عند الضوء الأخضر.
وبعيداً عن إشارات المرور فإن هناك آلاف الممارسات اليومية التي ترتبط بقواعد قانونية محددة مثل ما يتعلق بمعاملات الأفراد فيما بينهم ومعاملاتهم مع الأجهزة الرسمية الحكومية. حينما يغيب الرادع القانوني عن سياق التعاملات الفردية اليومية، وحينما لا يهاب الأفراد القانون، ولا يخافون عواقب تجاوزه والاعتداء عليه، فإن ذلك يخلق حالة من الفوضى الاجتماعية الشاملة تؤثر على ثقة الأفراد في بعضهم البعض من ناحية، وعلى ثقتهم في المؤسسات الحكومية الرسمية التي يتعاملون معها من ناحية ثانية، وعلى ثقتهم في قدرة الدولة التي ينتمون إليها من ناحية ثالثة.
ولا تقف التأثيرات المرتبطة بتجاوز القوانين وعدم احترامها عند هذا المستوى لكنها تتعداها إلى مسألة أخرى تدعم الفوضى السابقة وتكرسها، ترتبط بخلق سياق مجتمعي شامل لا يثق في القوانين ولا يحترمها. ويصبح الشعار العام لمجمل الممارسات الحياتية اليومية (إن كل قانون وُجد لكي نتجاوزه). يتشكل الخطاب اليومي للأفراد حول كيفية تجاوز القوانين والعبث بها، خصوصاً إذا ما كانت ترتبط بالمؤسسات الرسمية الحكومية. وفي مثل هذا السياق تنتشر الرشوة ويزداد الفساد وتتعمق حدته.
يرتبط الفساد بشبكة واسعة من الأفراد والقبول المجتمعي الذي يدعم تلك الممارسات ويساعد على انتشارها وزيادة حدتها وتأثيراتها المجتمعية. وتساعد تلك الممارسات على سرعة سقوط وتحلل الأمم من حيث إنها تؤدي لسقوط هيبة القوانين من ناحية، وضياع النموذج الذي يمكن احتذاؤه من ناحية ثانية، وعدم وضوح معايير الصواب والخطأ من ناحية ثالثة. إن عدم احترام القوانين يؤدي لانخراط المزيد والمزيد من الأفراد يوميا في ممارسات قد يرفضونها لكنهم لا يجدون أمامهم أي سبيل سوى الانصياع للسياق الاجتماعي العام المساعد على انتهاكات القانون والنيل منه. ومن اللافت للنظر هنا أنه مثلما ينتج خطاب مجتمعي عام يؤيد انتهاك القوانين وعدم احترامها، ينتج أيضاً خطاب مجتمعي آخر يبرر ضرورة الاتفاق مع جملة الممارسات المجتمعية ضد القانونية، بل ويرى أن أية ممارسات تحاول تغيير ما يحدث هي ممارسات خارجة على السياق العام، وغير متفهمة لضرورات المرحلة ومتطلباتها.
في مثل هذا السياق تضيع القدوة التي يمكن الارتكان إليها في أية سلوكيات، فانتهاكات القوانين تصبح شطارة، والرشوة تصبح مشروعة من أجل إنجاز الأعمال. في مقابل ذلك تنمحي من قاموس الأفراد ومن جملة ممارساتهم اليومية كلمات مثل الشرف والاستقامة والالتزام بالقوانين وعدم الانحراف. حيث تصبح هذه الكلمات معيقات اجتماعية يرى الكثيرون في التمسك بها دليلاً على ضعف الأفراد أنفسهم وعدم قدرتهم على فهم السياق الاجتماعي المحيط بهم والتعاطي معه بفاعلية وتجاوب أكبر.
تقود تلك الحالة إلى حالة مجتمعية خطيرة عامة وشاملة تلعب دوراً كبيراً في سقوط وتحلل الأمم تتمثل في غياب المعايير التي يستند إليها الأفراد سواء أكانت قانونية رسمية أو عرفية مجتمعية. في ظل هذه الحالة لا يعرف الأفراد الخطأ من الصواب، والحرام من الحلال، والمرفوض من المقبول. كما أن هذه الحالة تقود أيضاً لغياب أي رابط مجتمعي عام يربط بين الأفراد ضمن سياق مشروع قومي عام وشامل يتجمع حوله الأفراد وتصب فيه سلوكياتهم المجتمعية اليومية. في مثل هذه الحالة يصبح كل فرد مجرد جزيرة منعزلة عن الآخرين لا تقوده سوى مصالحه الخاصة الضيقة التي يمكن في أحيان كثيرة أن تقوده وتقود المجتمع الذي ينتمي إليه إلى المهالك والتردي والتحلل والسقوط.
تختلف الدول فيما بينها حول درجة تركز هذه العوامل المختلفة فيها، لكن الأمر الذي لا يمكن تجاهله أن تجاهل القوانين وعدم الاعتداد بها هو أول مسمار في نعش الكثير من الأمم، والمدخل الحقيقي لسقوطها. وفي هذا السياق تتلاقى وتتجمع العديد من العناصر الأخرى المسرعة من وتيرة هذا السقوط مثل الضعف الاقتصادي ودرجة التخلف ومدى شيوع الفقر والفوارق الطبقية داخل المجتمع. فالشيء المؤكد هنا أن عدم احترام القوانين وعدم الاعتداد بها يؤدي لا محالة لاستفادة شرائح اجتماعية على حساب شرائح أخرى، وهو ما يفضي في النهاية إلى التفاوتات الطبقية الحادة التي يستفيد منها الأغنياء على حساب الفقراء الأمر الذي يقود لا محالة لاستعار الصراعات وتزايد الحسد والتنابذ. كما أنه يؤدي لعدم اهتمام الشرائح الاجتماعية غير المستفيدة بأي تغيير سواء أكان باليد أو باللسان أو بالقلب، وهو ما يمثل المسمار الأخير في نعش تلك النوعية من الأمم التي تضيع فيها هيبة القوانين، حيث تنتشر «الأنامالية» و«الأنانية» وتنهار الأخلاق وتعم السلبية والعزلة والانطواء. اللهم قنا شر هذا السقوط وذلك التحلل واجعلنا أعضاء فاعلين مجتمعيا!!
كاتب مصري