لم تعد شعوب المنطقة بحاجة إلى مبادرات بعد كل المبادرات وآخرها مبادرة السلام العربية التي رغم قبولنا بها عند الحد الأدنى لم تفض إلى نتيجة، ولا إلى مؤتمرات دولية جديدة بعد كل المؤتمرات وآخرها مؤتمر مدريد الذي وضع أساسا ممكنا للتحرك نحو السلام رغم تحفظاتنا على صيغته، بل نحن بحاجة إلى قرارات جديدة من الطرف الإسرائيلي والطرف الأميركي للقبول باستحقاقات السلام أو بقرارات دولية جديدة تحت الفصل السابع، لتطبيق كل القرارات السابقة ولفرض السلام.

لهذا لم أستطع أن أفهم ولا أظن أن أحدا غيري استوعب تماما ما وراء الدعوة الأميركية المفاجئة والمتخبطة إلى مؤتمر دولي غامض الهدف، ثم التراجع عن فكرة المؤتمر وتحويلها في اليوم التالي إلى مجرد إجتماع غائم الهدف برئاسة وزيرة الخارجية الآنسة رايس، بلا ملامح ولا جدول أعمال!

وليست هناك خارطة واضحة ولا آمنة من بين كل خرائط الطرق المطروحة، ولا طريق مرئي من بين كل الطرق غير المفتوحة، أقصر ولا أسرع لمن يريد إنهاء الصراع العربي الصهيوني وسلوك بداية الطريق نحو السلام، من المبادرة العربية التي أقرتها قمة بيروت وأكدتها قمة الرياض والتي تترجم مبدأ الأرض مقابل السلام، ولم تقبل بها حتى الآن لا تل أبيب ولا واشنطن التي عارضتها عمليا، رغم الإشادة اللفظية!

كما أن كل خرائط الطرق الأميركية والصهيونية السابقة لم توصل إلى أي أفق نحو السلام، بل على العكس من ذلك قادت الساعين للسلام العادل والشامل المطلوب على أساس مبدأ الأرض مقابل السلام إلى متاهات ومسارات ومواجهات وانقسامات، ولم تفض إلا إلى طريق مسدود وأفق محدود وجدار ممدود باعد بين الأرض وأصحاب الأرض، وبين السلام وطلاب السلام.

ومع ذلك لم تتوقف محاولات واشنطن ولا تل أبيب لبيع الأوهام وشراء الأعوام والهروب إلى الأمام، بعيدا عن القبول باستحقاقات السلام سواء ما قررته الشرعية الدولية طوال عقود الصراع، أو تلك التي أقرها مؤتمر مدريد عام 1991 من قواعد ومبادئ التحرك نحو السلام مثل القرارين الدوليين 242، 338 ومبدأ الأرض مقابل السلام.

ومنذ اغتصاب الجزء الأكبر من فلسطين عام 48 بلغ عمر الصراع العربي الصهيوني ستين عاما ونتجت عنه مأساة اللاجئين الفلسطينيين، ومنذ اغتصاب بقية أرض فلسطين وأراضي ثلاث دول عربية عام 67 وما نتج عنه من مأساة النازحين، ليس هناك أفق مرئي ولا تحرك جدي أميركي أو قبول سلمى إسرائيلي، ولا رد عملي عربي أو فلسطيني على التعنت الإسرائيلي والخداع الأميركي حتى الآن يؤشر للوصول إلى السلام.

بل الذي حدث تدريجيا منذ العام 48 وحتى مؤتمر مدريد، هو عملية خداع واستدراج منظمة للعرب للوقوع فى نهاية الطريق في فخ السلام الإسرائيلي، فبعد أن كانت الأمم المتحدة هي التي تتابع حل القضية وتعمل على إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي والوصول إلى السلام، وفق مبادئ الشرعية الدولية واتفاقا مع ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ حقوق الإنسان.. سحب الملف تريجيا من أيدي الشرعية الأممية إلى أيد أميركية منحازة للدولة العبرية على حساب الحقوق العربية!

وساعدت أميركا ودول الغرب الحليفة إسرائيل على عدم تنفيذ ما صدر عن الأمم المتحدة من قرارات كان يمكن لها إنهاء الصراع، ولم نجد لا أميركا وبريطانيا ولا فرنسا تدعو مجلس الأمن لتوجيه إنذار إلى إسرائيل تحت الفصل السابع أو السادس لتنفيذ ما صدر عن المنظمة الدولية من قرارات لصالح شعب فلسطين، مثلما يفعلون الآن بقرارات العقوبات والإنذارات تحت الفصل السابع ضد السودان بحجج زائفة، وضد سوريا بحجج كاذبة!

والآن.. بعد اللاجدوى واللانتيجة سوى بيع الوهم وتسويق الخداع، وبعدما أصبح مجلس الأمن الدولي اليوم في ظل الأحادية الدولية غير المجلس بالأمس في ظل الثنائية القطبية، هل سنواصل السير على طريق الأوهام، وماذا نحن فاعلون؟