نحن في منتصف الصيف الساخن على درجات سلم كالفن أو سلم سوليزيوس أو سلم فهرنهايت، وربما نسير الآن نحو استحقاقات السخونة السياسية لهذا الصيف وهي السخونة التي طالما بشر بها البعض، فمنهم من قال بأنها سخونة التصعيد الأميركي الإسرائيلي على الطرفين العربي والفلسطيني، ومنهم من قال بأنها سخونة الانتصارات القادمة في فلسطين ولبنان والعراق، وهي الانتصارات المتبوعة بالعجز الأميركي المتتالي في ملفات الشرق الأوسط، بالرغم من دعوة الرئيس جورج بوش للمؤتمر الدولي للسلام نهاية الصيف الحالي وتحديدًا في سبتمبر 2007، وهي الدعوة التي تحفظت عليها موسكو كما جاء على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف.

وفي كلتا الحالتين، نقول، نعم إن السخونة تكمن في عدة استحقاقات تنتظرنا في سبتمبر المقبل، الاستحقاق الأول يتمثل بعقد المؤتمر الدولي للسلام المشار إليه بعد أن بان أمام واشنطن مدى التهتك والانهيار الذي أصاب التسوية على مسارها الفلسطيني الإسرائيلي، وثاني الاستحقاقات يتمثل في الجلسة الأولى المقررة للمحكمة الدولية التي شكلها مجلس الأمن.

والمعنية بالتحقيق في اغتيال الشهيد رفيق الحريري، وهي انطلاقة تراهن عليها الإدارة الأميركية لرفع مستوى الاحتقان والخراب في البيت الداخلي اللبناني وفي إحداث المزيد من الضغط السياسي على دمشق، وثالث الاستحقاقات يتمثل في الانتخابات القادمة للرئيس اللبناني في الشهر ذاته، ورابع الاستحقاقات يتمثل في تقريري كوكر وباتريوس المتعلقين بتقييم أداء حكومة نوري المالكي والبت بمسار عملها مع اتساع الانقسام الحكومي والتباين بين مختلف الكتل الحزبية داخل الحكومة العراقية.

إذاً، لبنان والعراق لهما النصيب الأساسي نهاية الصيف السياسي الساخن، فلبنان يغلي منذ الآن بشأن المحكمة الدولية، وترتفع مقدمات الخلافات الداخلية بشأن الانتخابات الرئاسية بين اتجاه يريد رئيسا توافقيا لكل لبنان ويريد انتخابات برلمانية تفتح الطريق أمام حكومة وحدة وطنية جديدة، وفريق يعتقد بأنه الأكثرية، ويريد انتخابات رئاسية حتى من دون توفر توافق داخلي لبناني، وهو الفريق ذاته الذي مازال يرى بدمشق خصماً للبنان مع أن الوقائع باتت تؤكد كل يوم بأن سوريا ليست خياراً وطنياً للبنان فقط بل إنها ضرورة وعامل حتمي في لبنان مستقر وذي سيادة.

وفي الموضوع العراقي، يلحظ المتتبع للوضع هناك أن الأمور تسير نحو المجهول، فالانفلات الأمني مستمر، ومستوى الخدمات الحكومية المقدمة للشعب متواضعة ولم ترتق نحو الحد الأدنى المطلوب خصوصاً مع اتساع الطبقة الدنيا في صفوف عامة الشعب العراقي، كما في بروز تكتلات وتبدل تكتلات وصراع برامج بين مختلف مكونات الخارطة السياسية العراقية وهي مكونات نشأت بغالبيتها بعد الغزو مباشرة.

وعليه فإن تقريري كوكر وباتريوس سيلحظان عناصر هامة في تقييم أداء حكومة المالكي، وأول هذه العناصر: الجانب الأمني والجانب المتعلق ببناء الجيش وأجهزة الأمن وفق ما هو مقرر، وثانيها الخدمات العامة للمجتمع، خاصة في مجالات الكهرباء والمياه والصحة والغذاء، والنظر بشأن قانون النفط والغاز وتعديل قانون «اجتثاث «البعث، وإقرار قانون المحافظات وتشكيل الأقاليم.

في هذا السياق، تأتي التحولات في التحالفات الداخلية العراقية على خلفية الانسداد العام في الأفق المرئي، وعالم الغيب الذي يسيطر على بلد ذاق شعبه إلى الآن مرارات الاحتلال ومرارات التجربة «الديمقراطية «المستوردة، ومن هنا فإن التكوينات والتشكيلات التي ظهرت في الحياة السياسية العراقية منذ العام 2003 بدأ يعتريها الشعور بالمأزق الذي وصلت إليه.

وهو شعور عام بدأت تعترف به القوى العراقية كافة، فباتت تحالفاتها غير مستقرة وفي موقع التضاد مع بعضها في أحيان كثيرة، وعجز معها ائتلاف المعارضة عن التوصل إلى تفاهم برنامجي، كما في انسحاب حزب الفضيلة وجبهة التوافق من الائتلاف الموحد، بينما بدأ كل من حزب الدعوة والمجلس الأعلى بالبحث عن تحالفات جديدة.

كاتب فلسطيني