على امتداد خارطة الوطن العربي فإن أزمات عديدة تحتاج إلى مهدئات توقف التصاعد والحروب الكلامية، فهذه ستعزز فكرة التصادم بين الفرقاء أكثر مما تساعد على إيجاد حل يوقف النزيف في هذه الدولة أو تلك، ليس النزيف الدموي فقط، بل حتى الاقتصادي الذي يأتي على حساب لقمة المواطن واستقراره المعيشي.
وبالنظر إلى عدد من القضايا العربية فإن أزمة دارفور تعد واحدة من تلك الأزمات التي تتداخل فيها عناصر الأزمة وعناصر الحل، حيث إن التفكير فيها يكون نوعا من المغامرة في تلك الصحاري الممتدة والتي تضيع فيها قطرة الماء ورغيف الخبز لصالح الرصاص المدوي والخلافات القبلية.
سنوات من الحديث عن دارفور وأزماتها العصية على الحل، وكانت المواقف صاخبة أثناء الحديث عن المسؤول عما يحصل في تلك البقعة من البلد العربي السوداني، أطراف دولية ألقت بثقلها للتخفيف عن معاناة السكان، وأيا كانت الدوافع التي تحرك هذا الطرف أو ذاك الا أنه في المحصلة وجود كارثة انسانية تستدعي النظر إليها والبعد عن عامل التسييس، والذي يمكن اتهامه بأنه أفشل المساعي لإنقاذ آلاف البشر من الموت، جوعا أو قتلا!
وستكشف الأيام المقبلة آثار الجهود الدولية التي سعت الى الوجود بقوة على أرض الواقع وبعد زمن من الشد والجذب، من جهة وجود قوات دولية تراقب الوضع وماهية هذه القوة.
وكان آخر دلالات وجود قوات دولية ما أعلنه المتحدث باسم وزارة الدفاع الفنلندية في ان الاتحاد الاوروبي قد يساهم في ارسال جنود ضمن القوة الدولية الإفريقية التي ستنتشر في دارفور في غرب السودان، في إطار مجموعة تكتيكية من دول شمال الاتحاد الاوروبي أو ما يسمى مجموعة القتال الشمالية (تتألف من من جنود سويديين وفنلنديين ونرويجيين واستونيين وايرلنديين) بقيادة السويد التي ستبدأ العمل في الاول من يناير 2008 ويمكن ان يتم اللجوء اليها في دارفور وفي اماكن اخرى في افريقيا.
وفي المقابل فإن الترحيب السوداني بالقرار الدولي يعكس رغبة في تخطي هذه العقبة التي لا تعيق فقط الحل لأزمات دارفور بل أيضا الثقة المتبادلة بين الغرب والسودان، وقد أكدت الحكومة السودانية على لسان سفيرها في لندن أن نشر قوة دولية افريقية في دارفور خطوة في الاتجاه الصحيح، مؤكدا على قدرة المجتمع الدولي، وبالتعاون البسيط، المساعدة على حل المشاكل في دارفور، مشيرا الى ان السودان نفسه طلب من الامم المتحدة التدخل من اجل مساعدة قوة الاتحاد الافريقي المنتشرة حاليا في دارفور والتي تعاني من مشاكل في التجهيز والتمويل.
هذه الحلول عندما تأتي بموافقة جميع الأطراف المعنية بالقضايا فإنها أكثر احتمالية للنجاح من تلك التي تفرض على الدول تحت وابل من التهديد بالعقوبات الاقتصادية والحصار المباشر وغير المباشر، فالقضايا الانسانية طالما أنها تهم المجتمع الدولي فعليه مسؤولية التدخل بما يحفظ سيادة الدول وكرامتها، ودون النيل من سيادتها الوطنية وإطلاق التصريحات المتعاقبة والاتهامات بما يعقّد جوهر القضية ويرفع من بند التسييس على حساب بقية النوايا الحسنة.
جاءت مساعدة المجتمع الدولي للقوات الافريقية التي ستنتشر في دارفور فكرة جيدة لدعم هذه القوات بما تحتاجه من موارد وحل وسط يظهر القضية في ملبسها الإنساني، بعيدا عن عواصف الاتهامات والتهديدات، من أجل وقف النزاع الذي تسبب في مقتل مائتي ألف شخص وتشريد أكثر من مليون انسان، حسب الأرقام القادمة من طرف واحد ولم تؤكدها الحكومة السودانية، لكن المؤكد أن دارفور ستستقبل (يوناميد) اكبر قوة سلام في العالم.
