أين يتجه الإنسان العربي وما هو مستقبله؟ في دول الرفاهية أم في الدول التي تطحنه وتسحقه بكثرة المحظورات فيها؟ ففي ظل الصراع بين الأقطاب الذي رُسمت السياسات الدولية في أطره، كان الإنسان يتطلع إلى التغيير نحو عالم سمته الأساسية الحرية والعدالة والمساواة،.

وكان انتظار إطلالة فجر ذلك العالم هو الحلم الكبير لذاك الإنسان. وقد دفعه الإغراق في رومانسية هذا الحلم إلى اتباع من آمنوا بحرق مراحل التاريخ لتغيير وجه المجتمع، مدفوعاً بالكثير من النوايا الحسنة والقليل من الحكمة والدراية بقوانين التطور، فهو أحد الطامحين بالعيش في سلام في ظل مجتمع تتسم قوانينه وأعرافه بالعدالة، ولكن أين هي العدالة في تاريخ البشرية بشكل عام، اللهم إلا فيما ندر!

إلا أن حرق المراحل قد أدى إلى غير النتائج المأمولة منها، فقد أحرق في النهاية الإنسان العادي الذي لا يمتلك غير نواياه الحسنة وأحلامه الكبيرة، وظلت النخبة هي التي تستحوذ على كل شيء، وتصب كل المياه في طواحينها، فهي ترى أن الحياة هي لمن يعرف كيف يستفيد من كل الظروف، وأن الحياة مع أولئك الذين يستطيعون قراءة التاريخ من خلال عيون جديدة، لا تعتمد على انتظار ما يأتي من السماء بل ما يصدر من الأرض.

هذه النظرة هي في الحقيقة نابعة من فلسفة ميكافيللي التي تتسم بقلة ما تحويه من المبادئ والقيم، وبعيدة جداً على رؤية افلاطون التي فيها الكثير مما تمتلئ به الروح. إن العالم يعيش الآن لحظات نادرة جداً، لم يعد فيها وجود لأخلاق الفارس، اللهم إلا فيما ندر، وهي حالة تؤكد على أهمية الإنسان المنقذ في عالم لا يرحم إلا القوي، إلا أن القيادات التاريخية تدرك أن البقاء ليس فقط للأقوى، بل إن البقاء لمن يدرك أن التاريخ مع من يقف مع الإنسان المقهور.

وأن القوي يستمد قوته من مساندة القادمين من مواقع أدنى في سلالم الدرجات الاجتماعية، كأولئك القاطنين في القرى البعيدة، أو أولئك الذين يحفرون الصخر ويغوصون في أعماق البحر من أجل لقمة العيش، أو ذاك الذي خرج إليك بدون بروتوكول رسمي فهو لا يعرفه، أو في أحسن المظاهر، خرج إليك كما هو من دون مجاملة أو خوف من السلطان، كان يدرك أن القادم الجديد إنسان يؤمن بالإنسان وكانت اللحظة التاريخية بين الاثنين.

اعتقد الكثير من الناس، أن ذلك أصبح جزءاً من التاريخ، إلا إن الأصول تبقى ثابتة، ومن عاش الحياة القاسية يدرك أن الإنسان في حالة الرخاء يود أن يعمم ذلك على الجميع، وأن يعبر عن حالات الفرح حتى لو كان هو السلطان.. أن يعيش لحظة الفرح، فهي لحظة إنسانية، حينما يحقق إنسان انتصار في مجال من المجالات، إلا أنه الأب والحبيب والقائد في الآن نفسه. قد لا يدرك الكثيرون من متابعي الأحداث اليومية، أن ذلك الإنسان هو إنسان في نهاية المطاف، إلا أن المسؤوليات الجسام تتطلب منه العمل طوال الوقت، لذا فإن للمحارب ساعة استراحة هي حق من حقوقه.

ذلك الإنسان يعمل طوال الوقت من دون استراحة، كانت راحة البال لديه أن يحقق إنجازاً لهذه الأمة أو ذاك الشعب، يعمل من أجل مجتمع ما بعد النفط، هو ذلك الإنسان الذي تعلم أن الحياة هي التحدي وهي التي لا ترحم من لا يعمل، خاصة في عالم الرأسمالية المتوحشة.

وآمن بالشباب، فأعطى أولئك فرصة إثبات الذات من خلال مشاريع الشباب، ووضع الخطط الاستراتيجية على غرار المؤسسين الأوائل، وآمن بأن الحياة الكريمة للشعب هي البداية الأولى للجميع. خرج إلى الساحات المختلفة في أرجاء الوطن الأربعة، ولم يتخط القيادة بل ظل يعمل في ظل قيادة الأب القائد المؤسس، وهي مؤشر للإيمان بالعمل الجماعي من أجل استمرار رؤية الآباء المؤسسين.

بالأمس حقق أولئك القادمون من أرض العراق نصراً رياضياً كبيراً بحصولهم على بطولة الشعوب الآسيوية في كرة القدم. هؤلاء القادمون من عراق الإنسان، عراق الحضارة القديمة وعراق النكبة ومأساة العرب، هؤلاء لهم تاريخ طويل من المعايشة مع المآسي.

لقد صنع البيان رقم واحد، الذي صدر في عام 1979، من الإنسان العراقي صورة للإنسان المأساة، وصنع عراق الكارثة، إلا إن ذلك البيان لم يستطع أن يسلب الروح الوثابة للإنسان العراقي الذي أكد في إنجازه الأخير أنه لا يزال يحتفظ بميزة التحدي التي اتسم بها على مر العصور، فكان النصر هو الجواب والتعبير عن رفض لعراق لا يتناغم كفريقه الرياضي الذي اشترك كل أعضائه في عزف أنشودة نصر وحب أحوج ما يكون إليها بلدهم في هذه المرحلة.

وإنه لمن عجائب الأمور أن يدرك مدرب كروي قادم من عمق أميركا اللاتينية ما لم يدركه الساسة العراقيون، وأولئك المتصرفون بشؤون العراق ويملكون أعتى أنواع الأسلحة، لقد أدرك هذا المدرب أن العراق وطن واحد لكل طوائفه ولكل أعراقه، وأن الصراع العرقي والطائفي دخيل عليه. فعزف على وتر وحدة شعب العراق، وحقق الانسجام بين اللاعبين وأحرز النصر.

نأمل أن يسهم النصر الذي تحقق في انتشال الإنسان العراقي من ركود الحالة الاستثنائية التي يمر بها بلده والتي تحجب عنه رؤية المصير الذي ينتظره ما لم يعمل بجد وهمة على إزالة كل المعوقات، سواء العرقية أو الدينية أو الطائفية التي تعيق العراقيين عن العمل كفريق متكامل لا تعوزه القدرة على تحقيق إنجازات كبيرة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

في هذه اللحظة التاريخية يبرز فارس العرب والإنسان ذو البعد التاريخي، ليؤكد أن الإنسان محمد بن راشد آل مكتوم، حين يقوم بتكريم الإنسان العراقي في أرض العرب، الإمارات العربية المتحدة، إنما يكرمهم احتراما لشعب هو جزء أساسي من الأمة العربية والإسلامية، بل هو جزء أساسي من تاريخ البشرية وحضارتها.

هنا يبرز الإنسان محمد بن راشد بن سعيد آل مكتوم، ذلك الفارس القادم من صحراء العرب، ليؤكد بأنه ليس قائداً إماراتياً فحسب، وإنما هو قائد عربي يتحسس جروح أشقائه ويتألم لها ويفرح معهم وبهم.. موقف يطمئننا بأن الأمة العربية لا تزال على قيد الحياة وستكون بخير.

رئيس وحدة الدراسات والبحوث ـ «البيان»

malmutawa@albayn.ae