دارفور.. مأساة تضاف إلى هموم المنطقة العربية المشحونة بالتوتر. فهذا الإقليم الذي يمثل قطعة استراتيجية هامة من أرض السودان الشاسعة والذي سلطت عليه الأضواء، عاش فصولا من المعاناة آن لها أن تنتهي. العنف على أرضه أوقع الآلاف من القتلى، وتسبب بنزوح وتهجير عشرات الآلاف. ولا ينكر السودان حجم المأساة في دارفور. إقليم دارفور، على ما يبدو بات على موعد مع مرحلة جديدة، قد تضع حدا لمأساته التي شغلت العالم بأسره.

فعلى أرض هذا الإقليم، ستتم أكبر عملية حفظ سلام على الإطلاق في تاريخ الأمم المتحدة. فقد تبنى مجلس الأمن الدولي وبالإجماع قرارا دوليا جديدا يسمح بنشر قوة مشتركة من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في الإقليم. ونص القرار رقم 1769 على نشر قوة مشتركة باسم «يوناميد» تتألف من حوالي 26 ألف جندي بينهم سبعة آلاف إفريقي تمثل عناصر القوة التابعة لدول الاتحاد الإفريقي المنتشرة حاليا هناك. وستشترك أيضا قوات من بريطانيا وبلجيكا والكونغو وفرنسا وإيطاليا والبيرو وسلوفاكيا.

القرار الجديد يكلف هذه القوة بأن تقوم وعلى الفور بتطبيق وسائل عملية من أجل إقامة مقر عام للقيادة في موعد أقصاه أكتوبر القادم، على أن يتم نقل السلطات من القوة التابعة للاتحاد الإفريقي المنتشرة حاليا في دارفور إلى قيادة هذه القوة الجديدة بأسرع وقت ممكن لا يتجاوز نهاية العام الحالي.

وأهم ما يميز هذا القرار أن واضعي نصوصه ـ فرنسا وبريطانيا ـ عمدتا قبيل ساعات من صدوره إلى حذف بعض التعبيرات التي تلمح بعضها إلى عزم مجلس الأمن على اتخاذ عدد من الإجراءات العملية ضد الأطراف السودانية التي لا تحترم تعهداتها، أو لا تتعاون بالكامل مع متطلبات القرار الجديد، وذلك حتى يحظى بتأييد جميع أعضاء المجلس، وخاصة الدولة العربية العضو فيه وهي قطر، إلى جانب مجموعة الدول الإفريقية في المجلس والصين.

المهم في القرار هو موقف السودان الشقيق. وقد تعاملت الخرطوم على الفور بإيجابية مع القرار. إذ أعلن سفير السودان في الأمم المتحدة أن القرار يتضمن «عناصر ايجابية» وان الحكومة السودانية ستدرسه. وقال إن المسودة الرابعة للقرار حملت العديد من النقاط الايجابية التي تضمنتها ملاحظات وشواغل الحكومة السودانية حول الصيغة السابقة للمشروع.

مزايا هذا القرار بالنسبة للسودان الحريص على سيادته على أراضيه: أنه أكد على الصفة الإفريقية لقوة حفظ السلام، وحذف الإشارات إلى القرارات الخلافية خاصة قرار 1706 بالإضافة إلى حذف مبدأ التدخل الإنساني، واقتصر استخدام الفصل السابع على فقرة واحدة فقط وجاءت مشروطة ومربوطة بضرورة المساعدة في تنفيذ مهام اتفاقية سلام دارفور، كما أنه يقر بجهود السودان في السعي إلى السلام ويدعو المجتمع الدولي للمساعدة على تنمية دارفور.

القرار الجديد حظي بإجماع أعضاء مجلس الأمن وترحيب المجتمع الدولي. وهذا يعني أن الخرطوم ستتجاوب معه، وهو ما كشف عنه وزير الخارجية السوداني لام أكول الذي وصف القرار بأنه عملي. وقال «إنه يأخذ في الاعتبار أغلب مخاوفنا... نحن نشعر بالارتياح إزاء هذا القرار».

ما نأمله أن تسود لغة الحوار في التخاطب بين السودان وأطراف المجتمع الدولي المعنية بالقرار، بدلا من لغة التهديد والتحذير، حتى تنتهي فصول مأساة دارفور وتزول بقعة توتر من منطقتنا العربية التي لا تحتاج إلى مزيد من المآسي وأسباب التوتر.