أسطورة هذه الدولة الفلسطينية التي أعلنها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في الجزائر عام 1988 ولم تتجسد على أرض الواقع حتى الآن. أسطورة بمعنى أن الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة على كامل حدود فلسطين 1967 وعاصمتها القدس الشرقية (وليست أية قدس أخرى).

وحل مشكلة اللاجئين على أساس القرار الدولي 194 (وليس أي قرار آخر)، لن تتحقق أبداً في ظل استمرار السياستين الأميركية والإسرائيلية الرافضة للسلام العادل والشامل، وفي ظل استمرار التخبط السياسي الفلسطيني والتحارب السياسي والعسكري بين الأشقاء الفلسطينيين.

إنها أسطورة ولن تتحقق ما دامت البوصلة السياسية الفلسطينية والإقليمية والدولية فاقدة للمسار العملي، وبعيدة عن الحقائق التي يمكن لها أن توصل جميع الأطراف المعنية للحل الأفضل، الذي يرتكز على تطبيق الشرعية الدولية والقرارات الأممية ولا يرتكز على الوعود الشخصية أو التعهدات السياسية لهذه الدولة أو تلك أو لهذه المجموعة الدولية أو تلك. الأمر واضح وجلي بخصوص الدولة الفلسطينية المستقلة.

ولا يحتاج إلى خطابات أو وعود أو شعارات، وخصوصاً تلك التي نسمعها من وقت إلى آخر على لسان الرئيس الأميركي جورج بوش أو أفراد إدارته السياسية. لقد رأينا وجربنا العديد من التطبيقات العملية للقرارات الدولية في أكثر من منطقة من مناطق العالم الكبير وخاصة في الشرق الأوسط، وكيف أدت هذه التطبيقات إلى عودة الحقوق للشعوب والدول وإنهاء للنزاعات والخلافات التي كاد بعضها أن يلغي دولاً وشعوباً من الخارطة الجيوسياسية الدولية، وبعضها الآخر كاد أن يبقي دولاً وشعوباً تحت الوصايات الأجنبية.

ولكن إصرار الأمم والدول والمنظمات الدولية على تطبيق القرارات الدولية أدى في نهاية المطاف إلى إحقاق الحقوق وتخليص الشعوب من الاحتلالات والوصايات الأجنبية، وهذا ما يحتاجه الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة تحديداً، ليتخلص من ظلام الاحتلال الإسرائيلي وظلمه وبشاعته وغطرسته.

فعندما يتحدث سياسي بارز ذو سلطة وقيادة - أو تيار سياسي ما - عن تحقيق هدف سياسي بحجم إقامة دولة فلسطينية على كامل الأرض الفلسطينية المغتصبة منذ عام 1967، وتحرير الشعب من ظلم الاحتلال وذل المخيمات، يفهم من ذلك أن هذا السياسي، بشكل قاطع لا ريب فيه، يمتلك الأدوات والخطط والاستراتيجيات والتكتيكات السياسية وغير السياسية اللازمة لتحقيق هذا الهدف. وإلا فالأمر خطير جداً على السياسي نفسه وعلى شعبه وعلى هدفه المعلن، وعندها قد تفسر الأمور في أكثر من اتجاه.

والقول الحق في ما يخص القضية الفلسطينية أن جميع السياسيين الفلسطينيين بكل أحجامهم وجميع التيارات السياسية في فلسطين، يتحدثون الآن عن دولة فلسطينية مستقلة، في الوقت الذي نرى أنهم يتصارعون على مواقع سياسية وسلطوية في سلطة لا يخفى على أحد أنها لا تتمتع بما يمكنها من توفير أي قوة أو سلطة أو جاه لأحد، غير سلطة الاحتلال الإسرائيلي ومن يدعمها من القوى الدولية.

والقول أو الادعاء بغير ذلك من قبل أي مسؤول فلسطيني أو تيار سياسي في فلسطين، مهما كان الانتماء السياسي أو الحزبي، هو الإصرار على هذه المسيرة السياسية أو النضالية التي لم تحقق للشعب الفلسطيني إلا ضياع مزيد من الحقوق الوطنية الفلسطينية ومزيد من المكتسبات للاحتلال الإسرائيلي، والأدلة على ذلك لا تعد ولا تحصى ولا يتطلب الأمر إلا زيارة ميدانية للأراضي الفلسطينية للتحقق من هذا الأمر.

بل إن الأمر قد لا يحتاج إلى زيارة ميدانية للتحقق من ذلك، لأن ما حصل في فلسطين منذ الانتخابات التشريعية قبل عام ونصف فقط - وبعيداً عن العامل والتدخل المباشر للاحتلال الإسرائيلي - من اقتتال وحرب وتسفيه واتهام وانقلاب من قبل الأطراف الفلسطينية المسيطرة على مجريات السياسة الفلسطينية، أكبر دليل على مستوى العمل السياسي الفلسطيني الذي وصل إليه ساسة الشعب الفلسطيني وقياداته.

طبعاً هذا لا يفهم منه أن العوامل الإقليمية والدولية لم تكن طرفاً مباشراً وغير مباشر لما وصلت وتوصلت إليه السياسة الفلسطينية من تدهور وانحدار، ولكن في نفس الوقت أيضاً لم يكن يتوقع أن ما عرف بالخطوط الحمراء ما كانت لتباح باستهانة مثلما حدث في الأشهر والأسابيع الماضية. وهذا إن دل فإنه يدل على ضياع الفكر الاستراتيجي الفلسطيني في وقت يقال إن الهدف هو إقامة دولة مستقلة.

إن دعوة الرئيس بوش لمؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط هي دعوة لاستنزاف المزيد من الوقت، لأن هذا المؤتمر وأي مؤتمر يدعو إليه الرئيس الأميركي لن يهدف ببساطة إلى تحقيق السلام في هذه المنطقة التي لم تكن لتشتعل بهذه الصورة لولا السياسات الأميركية المتهورة والطائشة.

فالغريب في سياسة الولايات المتحدة الأميركية، الدولة الأقوى في العالم والأكثر تقدماً والتي تشتهر بجامعاتها ومراكزها البحثية والعلمية، أنها سياسة قصيرة النظر لا تتعدى بمستواها الاستراتيجي مستوى سياسة دولة صغيرة في عالم يسمى بالعالم الثالث.

إنها سياسة تعلن محاربة الإرهاب ولكنها تساعد على نشره، وتعلن نشرها للديمقراطية والحريات ولكنها تدعم الديكتاتوريات وتعزز الطغيان، وتعلن مساندتها لحقوق الإنسان ولكنها تؤيد الاحتلال وسياسات الفصل العنصري، وتعلن رفضها لانتشار أسلحة الدمار الشامل ولكنها تدعمه بشكل انتقائي حسب مصالحها الضيقة. كلا إنها ليست السياسة التي حلم ويحلم بها كل إنسان حر أحب أميركا الحرة ودستورها العظيم.

إن الإدارة الأميركية التي ما انفكت تعلن تأييدها لإقامة دولة فلسطينية، هي ذات الإدارة التي أيدت سياسات الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني واللبناني والسوري وحقوقه الوطنية في الاستقلال واستعادة الأراضي والسيادة.

ألم تكن هذه الإدارة هي التي أيدت رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق آرييل شارون عندما طالب بتأييد أميركي على اللاعودة إلى حدود 1967 واللاعودة للاجئين الفلسطينيين إلى أراضي 1948، ونال مراده علناً؟!

إذاً فمن الطبيعي أن نخلص إلى أن الإدارة الأميركية الحالية، التي لم يتبق الكثير على حكمها في واشنطن وتعاني من فشل ذريع في العراق وأفغانستان ومرتبكة في سياستها حيال الملف النووي الإيراني وتتخبط في لبنان وتواجه أزمة حادة مع روسيا الاتحادية وتعاني من كراهية شعبية عالمية، لن يكون بمقدورها أن تنتج شيئاً إيجابياً حقيقياً بخصوص ملف الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وبالتالي لا يجب أن تنخدع الأطراف العربية والفلسطينية وغيرها لمزيد من العلاقات العامة التي تحتاج إليها إدارة الرئيس بوش في الوقت الضائع.

إن المنطق في السياسة الخارجية لدولة عظمى، إذا أراد الرئيس بوش أن يحقق شيئاً في زمن الوقت الضائع، هو أن يقول إن أفضل وأقصر الطرق لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي والصراع العربي - الإسرائيلي، يكمن في إعلانه الرسمي لقبول واشنطن للمبادرة العربية للسلام التي قدمت الإطار والآليات العملية لإحلال السلام في الشرق الأوسط، وهذه مبادرة قبلتها جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي اللتان تمثلان العالمين العربي والإسلامي.

وإلا فإن الحديث عن أقل من ذلك من قبل الإدارة الأميركية يعني أن السلام مؤجل، أو الأصح معطل حتى تأتي إدارة أميركية جديدة نتمنى أن تدرك كل الأخطاء التي ارتكبتها وقد ترتكبها الإدارة الحالية حتى نهاية حكمها. وبالتالي فان الأفضل والأصح للقيادات الفلسطينية أن ترتب جميع أوراقها السياسية والحزبية، واضعة مصلحة الشعب والأرض أولاً والدولة ثانياً، والمصالح الحزبية أخيراً.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com