متعبون (بفتح العين) هؤلاء اللبنانيون، ومتعبون (بكسر العين).. لا شك أن هذا هو اليوم لسان حال وزير الخارجية الفرنسية برنارد كوشنير المكلف بملف أزمة الحكم اللبنانية الحالية والسعي مع الساعين إلى حلها.متعبون، لأنهم خاضوا على مدى سنوات طويلة سلسلة من الحروب والأزمات السياسية التي لا حصر لعددها ولا لأنواعها، فتعلموا بأن حربا بين زقاقين وأزمة بين طرفين هامشيين يمكن ربط حلهما، وبكل بساطة، بحل قضية منطقة الشرق الأوسط عموما.

وهم متعبون، لأنهم أصبحوا قادرين بالخبرة والممارسة، وبالبساطة إياها، على جر أي كان مهما علت مكانته، واتسعت حكمته، واشتدت حنكته، إلى سراديب الأزمة السياسية، وإلى ما وراء المتاريس الحربية، ليجد نفسه بين ليلة وضحاها ممسكا بالمنظار المحلي الضيق وبالمعادلة المعكوسة المتمثلة بأولوية فك العقدة الكبيرة كشرط لتفكيك العقد الصغيرة، فيما المنطق يقول له في كل لحظة إن حل الأزمة الكبرى لا بد له من حلحلة الأزمات الصغرى.

لكل ذلك فإن ثمة إجماعا اليوم، في لبنان وخارجه، على أن زيارة كوشنير الأخيرة إلى لبنان قد آلت إلى الفشل، وأنه، وفق ما أسر به لبعض من يثق بهم من المحيطين به، يعترف بأن «الأزمة اللبنانية معقدة إلى درجة تحتاج معها إلى إنسان مجنون يحضر إلى بيروت من أجل حلها، نتيجة التداخل والتقاطع والتعارض والتشابك بين العوامل المحلية والإقليمية والدولية».

ترى ما الذي دفع بكوشنير في الطريق المسدود بعد جولات من التفاؤل؟

ردا على هذا السؤال يفيد مرجع متابع لزيارة الوزير الفرنسي الأخيرة إلى لبنان، أن مهمة كوشنير لم تفشل بل تم تجميدها ووضعها قيد المراوحة إلى ما بعد الانتخابات النيابية الفرعية في بيروت والمتن يوم الأحد المقبل، وكون زيارته لم تحقق أي تقدم ملموس، فإن الوزير الفرنسي حاول قطع الطريق على نزعات التشاؤم أو الإيحاء بالفشل عبر تسجيل بعض المواقف الإعلامية المتفائلة، ومنها:

أولا - التأكيد على أهمية تمكنه مجددا من جمع مسؤولي الصف الأول في مؤتمر الحوار الوطني، باستثناء رئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة، والأمين العام لـ «حزب الله» حسن نصر الله الذين أنابوا ممثلين عنهم، حول مائدة السفير الفرنسي في لبنان برنارد إيمييه، ووصف هذا الاجتماع بـ «الانتصار».

ثانيا - جلوسه مع جميع القادة السياسيين والاستماع إلى شروطهم حول الضمانات بـ «ذهول»، على حد قول المرجع المتابع لتفاصيل الزيارة، وتأكيده بعد هذه اللقاءات «المذهلة» أنه لمس اهتماما جديا من قبل الجميع بـ «الثوابت» التي طرحها، ومنها احترام جميع الأطراف لمبدأ إنجاز الاستحقاق الرئاسي في موعده الدستوري، والتوافق على وجوب انتخاب رئيس الجمهورية في جلسة نيابية تشارك فيها أكثرية الثلثين من النواب، وعدم الاستقالة من حكومة الوحدة الوطنية فيما لو تم الاتفاق على تشكيلها.

وفيما يشير المرجع المعني إلى أن كوشنير لمس تقدما في موقف الرئيس بري عن موقف «حزب الله» في موضوع صيغة الحكومة الانتقالية، فإن مصادر الأكثرية نفت هذا الاحتمال مشيرة بدورها إلى أن بري مكلف بإدارة اللعبة السياسية من قبل الحزب لأنه الأكثر قدرة على المناورة.

ثالثا - تأكيد كوشنير أنه لم يقطع الأمل والإعلان عن عودته إلى بيروت بعد منتصف شهر أغسطس الحالي، وإشارته إلى إتاحة الفرصة أمام تنسيق المواقف حول المحاور التي تتقاطع فيها مهمته مع مهمة جامعة الدول العربية وأمينها العام عمرو موسى، وكذلك أمام تحرك جديد باتجاه سوريا وإيران قبل استئناف التحرك الفرنسي.

في هذا الوقت فرض الاحتقان السياسي الذي يواكب الاستعداد للانتخابات النيابية الفرعية، ولاسيما في منطقة المتن، بين مرشح الأكثرية الرئيس الأسبق أمين الجميل وكميل خوري مرشح التيار الوطني الحر الذي يرأسه ميشال عون، حصارا على مهمة كوشنير، وسط احتمالات إطاحة هذه المعركة وتدخل مجلس شورى الدولة اللبنانية بقرار لإبطالها على الرغم من أن المساعي للتوافق حيالها لم تتوقف، ويقول المرجع المتابع أن كوشنير وجد نفسه في جانب من اللقاءات التي أجراها، غارقا في تفاصيل التجاذب السياسي الذي تشهده معركة المتن الانتخابية، مما حمله على الاكتفاء ب«الإنجازات الإعلامية» التي حققها.

ويرى المرجع أن المراوحة، أو ما وصفه بالتجميد سيستمر حتى الرابع عشر من نوفمبر المقبل، أي إلى ما قبل أسبوع من انتهاء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس الجمهورية، فإما أن تنجح المساعي، في ضوء اتضاح مواقف الأطراف اللبنانية المتنازعة، بالتوصل إلى تسوية دولية - إقليمية حول اسم الرئيس المقبل، أي حل العقدة الكبرى بما يسمح بالانفراج الداخلي وحل الأزمات الصغرى المتمثلة بآلية إجراء الانتخاب الرئاسي.

أو أن الأمور سوف تسير في الاتجاه المعاكس إذا ما شهدت الأزمة الإقليمية - الدولية مزيدا من التعقيد مع اقتراب لبنان من موعد الاستحقاق، مما سيؤدي إلى مزيد من التعقيد في الأزمات المحلية لتذهب التطورات في اتجاه تشكيل حكومتين تقتسمان البلاد وتديرانها وفق هواهما وأهوائهما الخارجية.

وما بين سراديب السياسة اللبنانية وضغوطات السياسة الإقليمية وتناقضات السياسة الدولية، تبدو مشاهد ثلاثة تحكم لبنان اليوم، أولها مشهد المواطن اللبناني الذي بدأ يفقد صبره على الألم، والذي يدفع يوميا ثمن جنون قياداته التي تجر البلاد إلى المصير المجهول، ومشهد الأكثرية المترددة في خطوة القبول بتشكيل حكومة وطنية من غير «ضمانات» بعدم إدخال البلاد في فراغ دستوري، والمشهد الصامت للطرف الأقوى في المعارضة الذي يوحي باقتراب لحظة قيامه بتحرك مفاجئ لإحداث التغيير الذي ينشده ويقلب المعادلة فوق رؤوس الجميع.

كاتب لبناني

ghassan.habbal@albayan.ae