بلا أدنى حياء أو خجل، تعلن وزيرة الخارجية الأميركية الآنسة كوندوليزا رايس، أن السلاح الأميركي الذي ينهمر كالمطر هذه الأيام على كل من إسرائيل وبعض الدول العربية غرضه وهدفه مواجهة إيران وسورية وحزب الله.
نقول: بلا حياء، لأن ما قالته الآنسة كوندي يدل على ذلك فعلاً، فهي تحاول أن تضع إسرائيل في سلة واحدة مع عدد من الدول العربية لمواجهة دولة عربية أخرى هي سورية إضافة إلى إيران وحزب الله والمقاومة.
هكذا وبكل بساطة تقتحم الآنسة رايس البيت العربي وبيدها خنجر التقسيم المسموم في مؤامرة مكشوفة للإيقاع بين الشقيق وشقيقه تحت عناوين وتسميات أميركية ـ إسرائيلية بامتياز كالقول بالعرب المعتدلين والعرب المتطرفين و«أصدقاء أميركا» والخطر الإيراني ـ الأصولي وغيرها.
لم تأت رايس هذه المرة بمفردها، فالمصائب لا تأتي فرادى، بل جاءت وتحت إبطها وزير الحرب روبيرت غيتس لتأكيد جدية التوجه الأميركي الجديد، وعزم إدارة بوش الحديدي لتكسير أوصال المنطقة العربية، في رسالة لا تخفى دلائلها على أحد في هذه المنطقة.
جاء الثنائي الأميركي الرهيب إلى شرق أوسط مشتعل ليس من أجل التبشير بسلام قريب، بل لصب الزيت على النار، و«الاطمئنان» على أن الفوضى هي السائدة، وأن الشرق الأوسط الجديد الذي كاد يلفظ أنفاسه الأخيرة قبل عام تحت أقدام مقاومي حزب الله، سيخرج من غرفة الإنعاش بثوب جديد وأسلوب جديد وبجريمة جديدة.
لا تصدقوا أن كوندي جاءت تسوق لبضاعة فاسدة اسمها «اجتماع واشنطن للسلام» فقط، فإدارة لم تمتهن إلاّ الحروب والدمار والإرهاب المفضوح لا تعرف معنى السلام.
ولا تصدقوا أن بوش عاشق سلام وهو يدعو الى الاجتماع في الخريف القادم من أجل إحقاق الحق، ونشر الخير، فالرئيس المدجج بسلاح الميدان الكامل، والذي أشعل الحروب ودمّر المدن والبلدان، وقتل النساء والشيوخ والأطفال لا يهمه السلام مادام من مريدي الصهيونية والمبشرين بدولة إسرائيل الكبرى ومعركة هرمجدون المعروفة جداً في «أدبيات» الصهيونية.
الرئيس بوش الذي يعتبر الوريث الشرعي للرئيس هاري ترومان الذي أمر بقصف مدينة هيروشيما منذ 62 عاماً، يريد أن يثبت أنه أبشع من ترومان وأكثر بطشاً بالبشر منه، وأشد تعطشاً للدماء، فكان له ما أراد إذ إنه قتل من أهل العراق المدنيين الأبرياء ما يعادل أربعة أضعاف ضحايا هيروشيما ليدخل موسوعة غينس كسفاح من الطراز الممتاز لا يشق له غبار.
وباختصار، لا الآنسة كوندي ولا سيد المكتب البيضاوي ولا صاحب البنتاغون وغيرهم من أبطال الحروب والدمار يهمهم السلام، فالمطلوب من الاجتماع الخريفي القادم أن يسقط أوراق العرب الصفراء على أرض التطبيع، وأن يعطي بعضاً من الفلسطينيين جزءاً من الأرض على أن تظل مفاتيح القرارات والسيادة والاستقلال بأيدٍ إسرائيلية وإرادة إسرائيلية.
يريدون من اجتماع واشنطن الخريفي تكريس الانقسام الفلسطيني ـ الفلسطيني والاجهاز على القضية الفلسطينية برمتها وشرب الأنخاب بين القاتل والضحية وتطبيع العلاقات بين إسرائيل والعرب الذين تريد الآنسة كوندي وضعهم في سلة واحدة مع إسرائيل في مواجهة سورية أولاً وحزب الله.. وإيران و.. النهج المقاوم.
لا نظن أن الأشقاء العرب سيقعون في هذه المصيدة الأميركية، ولا نعتقد أن دولة عربية يمكنها أن تقبل الوقوف في خندق واحد مع إسرائيل ضد سورية أو ضد الشعب العربي وإرادته.
لكن.. أليس من حقنا كشعب عربي على الأشقاء توضيحاً، وعلانية، من تصريحات رايس وهذه المهزلة الأميركية التي جاءت بها؟ ألا يحق لنا أن نطلب تصريحاً أو بياناً يؤكد أن السلاح المنهمر كالمطر على العرب لن يوجه إلى سورية؟
نظن أن الصمت في هذه الحالة يترتب عليه تبعات في المستقبل خاصة في ظل التهديدات العلنية والمبطنة من قبل إدارة بوش وإسرائيل لسورية وحزب الله. وها نحن بالانتظار.
