من غير المنطقي ترسيخ العداء لأميركا أو القبول بتبعيتها، لأننا نحتاج إلى بعضنا حتى بما هو أسوأ سياساتها في دعم إسرائيل وتعقيد المنطقة بقضايا شائكة هي المتسبب الأول بها، فهي لاعب رئيسي في توتير أو ضمان الأمن، وهي حليف لإسرائيل، ولكنها الدولة القادرة على وضعها في مسار السلام طوعاً أو كرهاً.

ثم، وهذا مهم أيضاً، إنها الدولة الأولى عالمياً في مبادلاتنا التجارية، والمصدر الأساسي في تزويد دول المنطقة بالسلاح، واستيراد النفط، ومع أن أخطاءها كبيرة ومدمرة، إلا أن وجودها بات ضرورياً ليس لمعادلة السياسات المتوترة، أو حيادها، وإنما لأن دخولها في حرب العراق مثلاً افترض أن لا تغادر ليكون البديل حرباً أهلية تؤدي إلى تجزئة أكثر خطورة من بقاء قواتها.

رايس وزيرة الخارجية تلتقي ممثلي الدول العربية في شرم الشيخ، وتزور أكثر من دولة والمواضيع التي على لائحة الأولويات هي ذات المحاور ؛ فلسطين، العراق، لبنان والمشروع الإيراني النووي، ورغم تشابك هذه القضايا وتنوع حلولها، إلا أن أميركا لا تستطيع الابتعاد عنها طالما مصالحها بالمنطقة استراتيجية وذات أولويات قصوى حتى مع دول ترقى أهميتها على المنطقة.

لقد جربنا القطيعة، والتحالف مع الدولة العظمى، ونسعى الآن أن نكون أكثر توازناً في علاقاتنا معها، لكن المشكل أنها تفتقد الجدية في تحويل الخلاف إلى حوار يؤدي إلى طرح الأشياء من أفق المصالح المشتركة، وهذا العائق جعل الثقة بها معدومة إلى حد الانفصال، وحتى الرئيس بوش الذي وصل السلطة وهو يتوق إلى خلق مسار أميركي هو خليط من تصور كنسي ومثل عليا وفق رؤيته، تحميهما قوة هائلة اقتصادياً وعسكرياً لم يدرك عمق المشاكل وتعقيداتها.

التي تشبه الرياح الساخنة في صحارينا، لكنه في آخر ولايته، أدرك أن مسؤوليته في وضع بلده على المحك الساخط في العالم كله بسبب سياساته المتناقضة والمتصادمة مع مصالح العالم، وخاصة في منطقتنا العربية، والعالم الإسلامي، أخذ يتوجه إلى إعادة صياغة مشروعه والمؤسس على عقد مؤتمر دولي حول القضية الفلسطينية، أي كسر احتكار الحل والعقد بواسطة أميركا وحدها في مشاركة دول فاعلة ذات نفوذ ومصالح مع دول المنطقة.

من الوهم اعتبار ما يجري حلولاً صحيحة، لكن من غير المنطقي التقليل من تأثيرها وفاعليتها ويبقى الرهان على دور رايس مهماً، أي أنها الرأس المهم في فريق الرئيس بوش، وربما الأكثر نضجاً في فهم السياسة العالمية، والطامحة، أن تكون المرأة التي ترى الأمور بواقعية وأهم ممن سبقها باحتلال هذا المنصب.

قطعاً الوعود، والمؤتمرات الصحفية، وتشكيل اللجان، وبعث المندوبين ظلت شكلاً بلا مضمون لأن الأسس التي يجب أن تحضر على جدول العمل لم يشكل وجودها دفعاً لمسار السلام وهنا أصبح الممثلون لدولهم بما فيهم الأوروبيون الذين قد يكون لديهم الدوافع أكثر من أميركا في إنهاء نزاعات المنطقة، أدركوا أن الدوران حول القضايا المهمة والتسويف في حلولها، جعل الانطباع يبتعد عن اليقين إلى الشك، والعرب هم أكثر من يؤمن بعدم جدية أميركا، الا إذا تغيرت أفلاكها ليلتقي الشرق والغرب على هذه الأرض وبحلول تتجاوز المعوقات.