لا أحد ممن لديه إلمام بالتاريخ أو ببديهيات الثقافة العامة، يجهل ما قدمه العراق للإنسانية من انجازات حضارية عبر تاريخه الممتد سبعة آلاف عام، وأن العراقيين هم الذين قدموا أول أبجدية للكتابة عرفها الإنسان، وأول قانون مكتوب في عهد حمورابي العظيم.
فموقع بلاد الرافدين في سجل الحضارات أسمى وأنصع من أن يحتاج إلى تأكيد أو تذكير، ليس في التاريخ القديم فحسب، وإنما في كل مراحل التاريخ الوسيط والحديث كذلك. فقد شهدت بغداد إنشاء أول جامعة نظامية أيام الخليفة العباسي المأمون الذي أنشأ «دار الحكمة» وعرف عهده أكبر وأهم مشروع لترجمة المعارف الإنسانية، تلته نهضة فكرية وعلمية غير مسبوقة امتدت آثارها إلى أنحاء العالم، وشكلت ركيزة أساسية لكل ما جاء بعدها من مدارس فكرية وتطور علمي حديث.
غير أن تاريخ العراق المعاصر تخلله الكثير من الانتكاسات والنكبات، حتى بات البعض ينسى أو يتناسى العراق الأصل، عراق الأمجاد التاريخية والأصالة الحضارية، ولا يرى غير الصورة المسخ والمشوهة لعراق تمزقه الخلافات الداخلية وتنهشه الأطماع التوسعية وطموحات الهيمنة الخارجية التي أوقعته في أتون احتلال همجي، أعمل قوته الغاشمة قتلا وتدميرا وفتح الأبواب لعصابات الإجرام من فاقدي الوعي والضمير، ليعيثوا فسادا وخرابا ويحولوا البلاد إلى ميدان لصراع عبثي بلا هدف ودون تمييز.
لكن الأصل يبقى على أصالته، مهما علاه الغبار أو تراكمت فوقه الأتربة، وهذا ما أكده المنتخب العراقي لكرة القدم يوم الأحد الماضي، بانتصاره التاريخي وفوزه المستحق بكأس الأمم الآسيوية في العاصمة الاندونيسية جاكرتا.
فما حققه منتخب العراق البطل، لم يكن مجرد نصر كروي أو انجاز رياضي، وإنما كان قبل كل شيء وفوق كل شيء، رفضا قاطعا وتحديا جازما لتشويه صورة العراق الحضارية النبيلة، وإصرارا على نزع ما علاها من أقنعة مزيفة.
لقد أبى أحفاد حمورابي ونبوخذ نصر وجلجامش والمنصور والمأمون، إلا أن يظهروا معدنهم الأصيل وروحهم الوطنية العالية، مؤكدين أن العراق الواحد الموحد وطن لكل العراقيين، هو الأصل وهو الباقي، رغم كل محاولات التمزيق والتفتيت.
ولم يكن هذا رأي اللاعبين وموقفهم وحدهم، وإنما أكده الاندفاع الجماهيري العفوي الذي عم العراق بعد إعلان النتيجة، من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال ومن الشرق إلى الغرب، في انتفاضة شعبية شاملة تخطت كل الحواجز الفئوية والطائفية وتحدت متاريس الفتنة ومعاول الهدم التي حاول الاحتلال الهمجي والإرهاب الأعمى تكريسها بين الأخ وأخيه والأم ووليدها.. بل بين المرء ونفسه وقناعاته وما يمليه عليه ضميره وتفرضه عليه حقائق تاريخه الطويل ومصيره الذي لا ينفصم.
لقد كان الفريق العراقي «منتخبا» بكل معنى الكلمة، حيث تخطى فرقا عريقة تمثل أكبر قارات العالم وأكثر من ثلثي سكان المعمورة، وكان رفيقه وشريكه في النهائي فريقا عربيا عريقا آخر، هو الفريق الوطني السعودي، ما جعل البطولة عربية بامتياز وجعل النصر مضاعفا بمذاق عربي خالص.
وجاءت مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، لتعطي بعدا أعمق وأسمى لهذا الانتصار العربي، حيث أمر سموه بتكريم المنتخب العراقي على إنجازه المتميز الذي «أبرز قدرة الشباب العربي في تحدي الصعاب وتحقيق الانجاز وتقديم صورة مثالية للعطاء الوطني».
وسموه إذ يقدم هذه المكرمة إنما يعبر، ليس فقط عن موقف شخصي ووطني أصيل يضاف إلى سجل مواقفه المشرفة، وإنما هو تعبير صادق ونبيل عن ضمير ومشاعر كل عربي، بل كل وطني شارك العراقيين فرحتهم وأحس معهم بطعم الفوز وزهو الانتصار.
نجح المنتخب الوطني العراقي، إذن، وحقق لاعبوه بأقدامهم ما فشلت فيه وعجزت عنه رؤوس الساسة في العراق، فهل يستفيد السياسيون من تجربة لاعبيهم، ويرتقوا بتفكيرهم وممارساتهم إلى مستوى هذه النخبة من أبناء العراق الوطنيين الأبطال؟