كل يوم يمضي علينا والأخبار المحبطة والوقائع المأساوية تقض مضاجعنا.. كل يوم يمضي علينا والأحوال تنتقل من سيئ إلى أسوأ.. كل يوم يمضي علينا وحياتنا تزداد اخفاقاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. كل يوم يمضي علينا والانقسامات تؤسس نفسها والتشظيات تأخذ مداها.. كل يوم يمضي علينا وشعوبنا تزداد مشكلاتها وتتفاقم معضلاتها وتنحسر إرادتها.. كل يوم يمضي علينا والتدخلات الخارجية تزداد شراسة وقوة ونفوذاً في مصائرنا.. كل يوم يمضي علينا والنخب المفكرة والمثقفة تنحسر مواقفها وتتلاشى ضغوطاتها وتبح أصواتها..
إننا نعيش اليوم في حالة يمكن توصيفها بـ «إلى الوراء در»، فالإنسان لم يعد يحلم بالمستقبل بقدر ما يلوك الماضي.. انه لم يعد يحمل شعاراته التحررية، فلقد حّلت الورائية محل التقدمية، ولم نعد نسمع بالأفكار الاشتراكية ولا بالمفاهيم الإنسانية.. لم نعد نسمع لا باليمين ولا باليسار.. لا بالتقدم ولا بالتأخر، في حين سلكت المجتمعات الأخرى في العالم سلوكاً من نوع آخر!
لم تجد المجتمعات الأخرى بعد إخفاق اليسار واليمين فيها، إلا العمل بانسجام من أجل التقدم والسير نحو الأمام.. في حين لم تحظ مجتمعاتنا بأية فرص تاريخية معاصرة وخصوصاً إبان الفراغ الذي حدث اثر انهيار المعسكر الاشتراكي وتعطّل ايديولوجيات اليسار العربي عن مسيرتها التي لازمتها جملة من الإخفاقات.. فكانت الفرصة مهيأة لمن يقول: استرح وتوقف والى الوراء در!!
لقد مّرت أجيالنا في القرن العشرين بمخاضات صعبة جداً وصادفت الكثير من التحديات التاريخية التي فشلت في الاستجابة لها، فضيّعت فرصاً لا يمكن تعويضها أبداً.. لقد ولدّت الاحباطات ردود فعل عنيفة إزاء الحداثة والتقدم مما قلب الأوضاع رأساً على عقب.. وفتح المجال للهروب إلى أعماق الماضي لإيجاد علاجات جاهزة ـ كما يظنون ـ ولكنهم نسوا تحولات الزمن ومتغيرات الحياة.
لقد انتقل الدور السياسي من أبناء النخب إلى الجماهير التي وجدت في الانقسامية مبتغاها في الهروب من اللا وعي الواعي بنفسه إلى اللاوعي اللاواعي بنفسه! لم تعش مجتمعاتنا قاطبة اية مناخات أو صراعات طبقية.. بل كانت هناك تمايزات اجتماعية ربما تصل في مناطق إلى حدود الصراع ولكن لا تخرج عن أعراف الماضي في مناطق أخرى..
تمايزات بين أعيان وسادة ونبلاء من طرف، وبين عامة الناس من طرف آخر وما بينهما طبقة وسطى وأخرى مسحوقة لم تجد طريقها للتبلور.. بين أبناء مدن وريف وبادية.. بين مسلمين ومسيحيين ويهود وأديان أخرى تعايشت برغم بعض الخلافات..
ان أخطاء ما سمي بـ «القفزة النوعية» عند أحزاب قومية، أو ما سمي بـ «حرق المراحل» عند أحزاب راديكالية.. أو ما كان يسود التفكير العام من ان مجرد تغيير نظام حكم أو مجرد انقلاب عسكري أو مجرد تبديل زعيم أو مجرد انتفاضة مسلحة أو مجرد إعلان جبهة أو مجرد إصدار قرارات أو مجرد تأسيس حكومة دينية.. الخ، سينقذ الحال وستتغير الحياة ويسود التقدم وتصبح مجتمعاتنا مثالية وتغدو دولنا محترمة..
لن أجد أية فئة أو جماعة أو حزب أو نخبة آمنت بالتطور التدريجي.. أو أدركت حجم التخلف ليس في حياتنا وتشيؤات بلداننا، بل في الذهنية المركبة المسيطرة والتي ليس باستطاعتها ان تؤسس أية قطيعة بينها وبين التقدم من جانب، وبينها وبين التاريخ من جانب آخر.
لم يدرك من برز من أبناء اليمين أو اليسار ان مجتمعاتنا كانت في طريقها لكي تلفظ كل البقايا القديمة التي تقف حجر عثرة في طريقها.. لم تدرك السلطات ولا الأحزاب ولا النخب ولا الكّتاب والساسة.. ان هناك واقعاً تاريخياً واجتماعياً لا يمكن أبداً ان نقرنه بما كانت عليه أوروبا حتى نرّوج لليمين واليسار إذ وصل الحال بأحدهم ان يكتب كتاباً عنوانه «اليمين واليسار في الإسلام»!!
أما اليمين، فكان ان نحر حياتنا بأساليبه الخادعة وصنعه للتناقضات، فوضع الحداثة في عربة من العصور الوسطى ويريد ان يقتحم بها هذا العصر! وجاءت الانقلابات العسكرية التي لم يزل عدد كبير من الناس يسّمونها معبرة عن الوجدان الشعبي العربي..
ولما كانت أغلب تلك «الانقلابات» قد لبست ألبسة القومية العربية، وأسميت بـ «الثورات»، فكان ان اكتسبت شرعيتها من خلال الإرادة الشعبية التي رفعتها وكل أبطالها إلى السماء، من دون ان يدرك الناس وما زالوا بأن تلك «الانقلابات» كانت مدبّرة بليل لأداء أدوار معينة ضمن صفحات الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي..
بالرغم من تدفق الشعارات القومية التي اصطبغت بالراديكالية واليسار والاشتراكية.. فان اليسار الحقيقي رفض الفكر القومي الذي أسماه باليمين.. وتفاقم الصراع بين الشيوعيين والقوميين ردحاً طويلاً من الزمن حتى وقف كل منهما مندهشاً أمام شعار: إلى الوراء در! لقد حدث ذلك قبل سقوط الكتلة الاشتراكية.. فجأة يبرز الإسلام السياسي على الساحة وهو يمتلك السلطة ولكن باسم الثورة الدينية.. فجأة تستخدم شعارات فرقاء الأمس ولكن ليس نحو اليمين ولا نحو اليسار.. بل إلى الوراء.
ولم يعترف لا الفكر اليساري ولا الفكر القومي بالهزيمة أمام المارد الجديد الذي جاء بأجندة لم يتعاطف الناس معها، بل إنها تستحوذ على كل خلجاتهم وعواطفهم وأفكارهم.. ومخيالاتهم في تجسد أحلام يعتبرونها حقائق ثابتة.. وإذا كان هناك من يعارض اليمين واليسار، لكنه لا يمكنه معارضة الأصول التي باتت الأحزاب الدينية تتكلم من خلالها.
أتمنى من صميم القلب ان نسّمي الأشياء بأسمائها من دون تهويل، وان نستدير للسير نحو الأمام.
مؤرخ عراقي