لأول مرة عرفت فيها حاجتي للنظارة الطبية كانت بعد حادث تسببت أنا به على شارع المطار القديم في الرياض في بداية دراستي الجامعية بجامعة الملك سعود. كنت للتو بدأت تجربة الدراسة والإقامة في المدينة المخيفة لقادم من قرية صغيرة ظلت على هامش التنمية طويلاً، حيث لا هاتف ولا كهرباء ولا مستشفى ولا يحزنون.
كان الوقت متأخراً في الليل والطريق كان تقريباً خالياً من أي حركة. فجأة اصطدمت بالسيارة الوحيدة أمامي وقد ظننت أن المسافة بيني وبينها بعيدة. لم أستوعب لحظتها ما حدث. نزل سائق السيارة المصدومة، رجل من السودان في سن أبي، ثم قال بأدب ولطف أهلنا في السودان: سلامات سلامات. وسأل: ما الذي حدث؟
أجبته على الفور، وبكل صدق: لا أعرف. اعتذرت له بشدة وعرضت أن أتولى إصلاح الصدمة التي تسببت بها لسيارته، فقابل عرضي برفض قاطع ونصيحة مؤدبة أن أحذر من السرعة والقيادة المتهورة. شكرته على لطفه وعفوه وكنت أعرف أن الخطأ كان خطئي ولا يمكن لاثنين أن يختلفا على ذلك.
غادرت موقع الحادث لكنه بعد دقائق قليلة لحق بي وكان يشير لي أن أتوقف على جانب الطريق، فأيقنت أنه قد غير رأيه وسيطلب مني إصلاح سيارته والشكوى الى الله. قلت لنفسي: يا الله، مكافأة الجامعة الزهيدة للشهرين المقبلين ستذهب لإحدى الورش في صناعية الرياض. لكنني ـ يا لحسن حظي ـ كنت مخطئاً تماماً، فالرجل المصدوم لم يبدل موقفه لكنه قدم لي واحدة من أهم النصائح في حياتي. سألني أولاً: هل فحصت نظرك قريباً؟
لم افهم سؤاله، فعاد وسألني من جديد: هل ذهبت لطبيب عيون حديثاً. أجبته: لا، ثم سألت: لماذا؟ نصحني أن أذهب بأسرع وقت لطبيب العيون وإجراء فحص نظر لأنه لم يجد أي مبرر لتلك الصدمة التي تسببت بها سوى قصر النظر، وكأنه بنصيحته تلك يريد أن يجنبني مزيدا من الحوادث على طرق العاصمة أو غيرها.
بعد تلك الحادثة بأيام، وبتشجيع بعض الزملاء في الإسكان الجامعي، أخذت بالنصيحة وتغلبت على خوفي من زيارة عيادة العيون، فقابلت طبيب العيون الذي أكد لي، من دون أدنى شك، حاجتي العاجلة لنظارة طبية لأنني كنت فعلاً أعاني من قصر النظر دون أن أدري. قبل أن تجهز النظارة بيومين، لم أكد أنم من حالة الترقب التي انتابتني - ما بين حماس للبس النظارة وقلق من مشاكلها ـ انتظارا لتجربة جديدة ستكون النظارة الطبية رفيقاً جديداً فيها. حان موعد استلام النظارة لتبدأ تجربة جديدة من الإثارة والدهشة والصدمة والاكتشاف.
أتذكر جيداً دهشتي الأولى وأنا أرتدي النظارة الطبية للمرة الأولى (خارج عيادة الطبيب)، وكأنني للتو أرى العالم والناس من حولي. وجوه الناس من حولي، وأشكال المباني، والطرق والسيارات بدت كما لم أرها من قبل. يا إلهي، كأنني أكتشف العالم من حولي للمرة الأولى، بل كأنني أبصر للتو.
كانت فعلا حالة إبصار مختلفة وبرؤية جديدة أكثر وضوحاً وأكثر دهشة، اكتشفت معها ملامح أكثر تفصيلاً لوجوه أساتذتي وأصدقائي والمحيطين بي في الإسكان الجامعي وفصول الجامعة. أدركت وقتها لماذا كنت أطامر بالسيارة في حفر الشوارع ومطباتها وعلى الأرصفة أحياناً.
أعترف الآن أنني شعرت وقتها بغضب شديد، لم أعرف لمن كان يجب أن يذهب، لأنني لم أعرف من قبل حاجتي للبس نظارة طبية تريحني من ألم الصداع المتكرر ومن مخاطر حوادث السير في طرق الرياض المزدحمة، وتمنيت أن أرى الرجل السوداني الطيب الذي قدم لي نصيحة أعتبرها هدية عمر، كي أطبع قبلة على رأسه.
هل كان ضرورياً أن أتسبب في حادث مروري كي أكتشف أنني كنت أعاني من قصر نظر؟
من وقتها، وأنا أحرص على زيارة طبيب العيون وتبديل نظارتي الطبية كلما دعت الحاجة، أملاً في رؤية الأشياء والناس من حولي بوضوح أكثر، ولكي أتجنب التسبب في حوادث سير في المدن التي أزورها أو أعيش فيها.
لكن لماذا أتذكر قصتي المريرة مع قصر النظر الآن؟ إنني أجزم أننا ـ أفرادا ومؤسسات في العالم العربي ـ بأمس الحاجة لفحص نظر دوري كي نرى الأحداث من حولنا برؤية أكثر وضوحاً، ولكي نتجاوز قصر النظر في فهمنا وتحليلنا للظواهر والكوارث المحيطة بنا.
وأجزم أيضاً أن مجتمعنا العربي بأمس الحاجة ليد صادقة تدله على أسرع الطرق لعيادة العيون من أجل فحص النظر، وأنا على ثقة أن التجربة - بعد علاج قصر النظر - لن تقل دهشة وإثارة عن تلك التي عشتها لحظة ارتداء نظارتي الطبية للمرة الأولى في الرياض. أم أن الأمة بحاجة إلى مزيد من الحوادث كي تدرك أنها فعلاً لا تبصر الطريق برؤية واضحة؟ أو أنها تخشى زيارة عيادة العيون لأنها لم تجربها من قبل؟
أثق ـ من جديد - أن الأمة التي تتعالج من قصر النظر ستكتشف ـ بدهشة ومتعة أن الأشياء، على الواقع، ليست كما كانت تراها وأن الوجوه من حولها ليست هي التي ظنت أنها كانت تراها، وسترى أن زرقة السماء أكثر صفاء وأن تفاصيل الألوان، في الواقع، أكثر جمالاً وإشراقاً.
ستكتشف ـ أيضاً- أن عمى الألوان قد يضلل الرؤية ويمنح بعض الوجوه المحيطة بها وهجاً خادعاً وجواً من فوضى الرؤى يقود في القريب إلى حفرة لا تعرف كيف تخرج منها. إذا عرفنا واعترفنا أولاً أن لدينا مشكلة قصر نظر، ثم وجدنا يداً صادقة تمتد لنا وتأخذ بأيدينا إلى عيادة العيون كي نلبس نظارة طبية أو نجري عملية ليزك عاجلة، أثق أننا سنصاب بدهشة مختلفة لأننا رأينا أنفسنا ومن حولنا بشكل مختلف عما سبق.
عندها ربما ندرك أهمية الرؤية الواضحة لقضايانا، ولربما فهمنا أن ثمة أبعادا وتفاصيل أخرى - لم نرها من قبل - لما يدور بيننا أو حولنا.
هل نعرف - أو نعترف - أولاً بمشكلة نعاني منها اسمها قصر نظر؟
رئيس تحرير مجلة فوربز العربية-رئيس منتدى فوربز للقيادات التنفيذية