تواجه المنطقة العربية طائفة واسعة ومتشابكة من التحديات، لعل تحدي البطالة وما وصلت إليه من معدلات عالية ـ غير مسبوقة ـ هو الأخطر لما تشكله من تهديد لاستقرار المجتمع وتماسكه.
تؤكد التقارير الناتجة عن دراسات ومسوحات قامت به المؤسسات المعنية «منظمتا العمل الدولية والعربية، والجامعات العربية، ودوائر الإحصاءات،.. إلخ». إن هناك «16» مليون شاب عاطل عن العمل في الوطن العربي، ويتوقع أن يصل العدد إلى «ثمانين» مليون شخص بحلول عام 2020م، وتشكّل بطالة الشباب جزءاً كبيراً من البطالة الإجمالية وتتراوح بين 37 % في المغرب و73 % في سوريا وتناهز ال80 % في البحرين.
وتؤكد ذات التقارير بأن منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا سوف تكون بحاجة إلى 100 مليون وظيفة إضافية في العام 2020، ولربما يعجز الاقتصاد العربي عن توليدها بسبب تراجع نسبة النمو الإجمالي للناتج القومي الداخلي من 6% في العام 2000 إلى 5, 1% في العام 2001.
تتشابك الأسباب والعوامل في تعقيد هذه الظاهرة وتعود في معظمها لأسباب اقتصادية واجتماعية وذاتية أي تتعلق بالأفراد من جهة وبالحكومات والسياسات من جهة ثانية، لقد أكدت دراسات كثيرة أن لظاهرة البطالة أسباباً هيكلية، قاعدتها الأساسية عدم تواؤم مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل، في ظل غياب مناهج التوجيه والإرشاد المهني والوظيفي المؤثرة في تعديل اتجاهات الشباب ونظرتهم الدونية نحو كثير من الأعمال والمهن.
أو البرامج التدريبية والتوجيهية التي من شأنها أن تفتح الآفاق وتوسع البدائل والخيارات أمام الشباب وتستثير طاقاتهم وإبداعاتهم. ويلعب النسق القيمي في المجتمع دوراً في توجهات الشباب السلبية نحو عالم العمل وخاصة العمل اليدوي والمهني، عبر إسباغ هالة من الاحترام والقداسة والمهابة على الوظائف الحكومية والإدارية.
ويعاني النظام التعليمي بدوره من جمود في مناهجه ووسائله وبرامجه، فبات يطرح عشرات الآلاف من الخريجين بمهارات ضعيفة أو حتى بدون مهارات إلى سوق عمل بالغ التعقيد والتنافسية، هذه الأسباب الهيكلية للبطالة تتفاقم يوماً بعد يوم مع ارتفاع معدلات النمو السكاني والضغط الذي يسببه هذا النمو على موارد الدولة، ويضاعف الضغط والإنهاك على الاقتصادات التي تعاني بدورها من ندرة الموارد، وعجز هذه الاقتصادات عن تمويل عمليات التنمية، كل ذلك يضعف قدرة الدولة العربية على توليد فرص عمل مناسبة لجيوش الخريجين سنوياً.
أما عن تأثيرات ومخاطر ظاهرة البطالة الاقتصادية والاجتماعية على الفرد والمجتمع، فإن تأثيراتها الاقتصادية لتتجلى في ضعف الدخل وسوء توزيعه، فيتأثر ويتغير مستوى التشغيل ومعدلاته ومستوى الأجور، ما يؤدي إلى ضعف القوة الشرائية تدريجياً فتنعكس سلباً على عملية العرض والطلب والاستهلاك.
وبالتالي تتراجع وتتباطأ حركة الصادرات والواردات، أما تأثيراتها الاجتماعية، فلربما يمكن إيجاد علاقة قد لا تكون سببية بين البطالة والجريمة والانحراف وتعاطي المخدرات أو الاتجار بها والترويج لها، وكذلك قد تكون هناك علاقة بين التطرف والعنف وضعف الانتماء، فالإمام أحمد بن حنبل يرى أنه: «إذا جلس الرجل ولم يحترف دعته نفسه إلى أن يأخذ ما في أيدي الناس».
وترتبط هجرة الشباب اتباطاً مباشراً بالبطالة، فغالباً ما تكون مدفوعة بتوق البحث عن فرصة عمل مناسبة، تتبعها متوالية هجرة العائلات، أو إن لم تنجح كثير من العائلات في الالتحاق برب الأسرة المهاجر إلى عمله ورزقه، فغالباً ما يكون التفكك الأسري مآل هذه الأسر.
كما تنعكس التأثيرات السلبية للبطالة المبكرة في إضعاف قدرة الشاب الإنتاجية في المستقبل، ناهيك عن إضعاف قدرته في تكوين أسرة، وما يمكن أن يمارس عليه من إقصاء اجتماعي وحرمان من الممارسة السياسية، هذه التحديات الخطيرة فرضت نفسها على إرادة التغيير والتصدي لمعالجة هذه الظاهرة، فكانت الاستجابة بمبادرات ومحاولات تم تجريبها في عدد من الدول العربية، منها ما ينفذ بمشاركة القطاع الخاص ومنها بتمويل ودعم منظمات حكومية وأهلية، من هذه المبادرات والبرامج على سبيل المثال لا الحصر:
برنامج «إنجاز» في الأردن، الذي يعمل على تسهيل عملية انتقال الشباب من عالم الدراسة إلى عالم العمل، في إطار برامج التوجيه والإرشاد الوظيفي. ومساعدتهم في تحديد خياراتهم المهنية المستقبلية، وتشجيعهم على التفكير الابتكاري، ومنها كذلك مشروع «سند» في سلطنة عمان الذي يقوم على تدريب الشباب على تصميم برامج تلائم الواقع المحلي ومتطلباته.
وتشجيعهم على استحداث المشاريع الصغيرة، عبر دعم متكامل الأوجه من تمويل وتدريب ومتابعة وحماية، فضلاً عن مبادرات أخرى في عدد من الدول العربية منها: برنامج «الداكوم» بدولة الكويت، ومدرسة «الحريري للتعليم التقني» في لبنان، و«البرنامج الوطني للتوظيف والتدريب» بمملكة البحرين، ومشروع «المايكروستارت» في مصر.
إن مواجهة التحدي الخطير وغير التقليدي الذي تفرضه بطالة الشباب العربي على أمتنا تتطلب منا تغيير طرق التعاطي التقليدية معها، على أن يبدأ التغيير بتغيير مفاهيمنا ومنهاج تفكيرنا، على قاعدة أساسها العدالة في توزيع الفرص، والحرص على النهوض الحقيقي بمواهب الشباب وطاقتهم، وتشجيع مبادراتهم وإبداعاتهم، واضعين في مقدمة معطيات تفكيرنا أن البطالة هي مفتاح الفساد، وأن العمل هو مفتاح التطور.
فالعمل كان منذ فجر الحضارة معياراً لقيمة الإنسان الاجتماعية ومكانته، ووسيلة للتفاعل الاجتماعي من جهة وسبيلاً لتحقيق الرضا عن الذات.
مفكر سياسي وخبير قانوني أردني