العراق وطن واحد غير قابل للتجزئة. هذه المقولة، أكدها الرياضيون وتشبثوا بها، في حين مازال السياسيون عاجزين عن توحيد كلمتهم لإنقاذ أرض الرافدين من أية محاولة تهدد وحدتها وتماسكها.
الانجاز الرياضي الذي حققه فريق العراق الكروي، رسم البسمة على وجوه كل العراقيين بكافة أطيافهم وطوائفهم. كان طبيعياً أن تعم الفرحة كل أرض الرافدين، من كركوك شمالاً إلى البصرة جنوباً. فالفريق الرياضي هو النموذج المصغر للتركيبة العراقية المنصهرة في كيان واحد. يمثل نخبة مخلصة من السنة والشيعة والأكراد. انعكاسات الانجاز الذي حققته هذه النخبة في الشارع العراقي، كانت موضع دهشة وانبهار كافة الأوساط السياسية خارج حدود العراق.
والتساؤل المطروح الآن: هل يقتدي الساسة ـ الذين بأيديهم مقدرات الوطن ـ بالرياضيين الذين تجاوزوا الطائفية وذابوا وانصهروا في فريق واحد يمثل وطناً واحداً لا فرق فيه بين سني أو شيعي أو كردي؟
إن المأساة التي يعيشها العراق لن تطول وستتلاشى إذا تجاوز السياسيون خلافاتهم وأيقنوا أنهم يحملون جنسية وطن واحد لا تمييز فيه بين الأطياف والملل.
العراق يعيش محنة، فصولها مفتوحة، وتبدو كأنها بلا نهاية. ويكفي القول إن ألفي عراقي يغادرون ديارهم يومياً. وهو ما وصفته صحيفة الاندبندنت البريطانية أمس، بأنه أضخم نزوح جماعي في منطقة الشرق الأوسط. عدد النازحين يتجاوز الآن أربعة ملايين عراقي. وتقول إن البؤس والضائقة التي يعانيها هؤلاء اللاجئون النازحون، بلغا مبلغاً لم يعد يسمح للولايات المتحدة وبريطانيا أن تظلا على تجاهلهما إياه.
وتعتبر الاندبندنت أن هذه الأعداد من النازحين دليل إدانة آخر للاحتلال الذي خططت له الولايات المتحدة وبريطانيا، يضاف إلى الفوضى والاقتتال. وتؤكد أن ما يحدث خسارة مأساوية، سواء للعراق أو لدول الجوار، ومسؤوليتها تقع على الأميركيين والبريطانيين، الذين أخفقوا في توفير الأمن والاستقرار لعراقيي الداخل، والمأوى للنازحين.
هذه محنة العراقيين خارج حدود وطنهم. أما محنتهم في الداخل.. فقد تحدثت عنها أمس منظمة «اوكسفام» للتضامن الدولي حيث أكدت أن ثمانية ملايين من العراقيين هم بحاجة ماسة لمساعدات طارئة. فهم يعانون من نقص متزايد في الطعام والمأوى والماء والنظام الصحي والعناية الصحية والتعليم والتوظيف. وفي تقرير لها، قالت إن 43% من العراقيين يعانون من فقر مدقع، بينما يعاني الأطفال الأمرين بسبب تدني مستويات المعيشة.
وارتفعت معدلات سوء التغذية لدى الأطفال من 19% قبل الغزو الأميركي إلى 28% في الوقت الحاضر. وأشار التقرير أيضاً إلى ان استنزاف العقول البشرية الذي يعاني منه العراق يزيد من نقص الخدمات العامة التي هي غير كافية أصلاً، وذلك لأن آلاف الطواقم الطبية والمعلمين ومهندسي المياه وغيرهم من الأخصائيين يجبرون على مغادرة البلاد.
هذه نماذج من محنة ومأساة العراق.. فهل آن للسياسيين والقادة أن يجتمعوا على قلب رجل واحد ويقتدوا بالنموذج الرياضي الذي نشر الفرحة في ربوع أرض الرافدين؟
