كل دول النفط العربية وغير العربية، الأعضاء وغير الأعضاء في أوبك قد تجد نفسها يوماً مساقة إلى المحاكم في واشنطن لينطق القضاء الأميركي بحقها حكمه. وقد تكون نتائج هذه الأحكام إعلان حروب عسكرية أو اقتصادية أو ملاحقة قادة من هذه الدول أو ما لا يخطر الآن على بال أحد من أشكال العدوان.

هذا ما يوحي به القانون الذي أقره الكونغرس الأميركي مؤخرا. يجيز القانون للحكومة الاتحادية إلغاء الحصانة السيادية للدول الأعضاء في منظمة الأقطار المنتجة والمصدرة للنفط (أوبك)، وملاحقة المنظمة قضائيا ومحاكمتها في المحاكم الأميركية بتهمة التلاعب بالأسعار.

ولا يمكن التكهن بما إذا كانت الولايات المتحدة ستأخذ بهذا القانون أو ستتمكن من تطبيقه يوما، لكن المعروف أنها ليست المحاولة الأولى لتمريره منذ أن رفعت أول دعوى في محكمة أميركية ضد أوبك عام 1978 وحالت دونها الحصانة السيادية التي يمنحها القانون الدولي للدول الأعضاء في أوبك.

كما لأية دولة مستقلة أخرى. ومنذ عام 2005 أصبح المشرعون الأميركيون يعملون من أجل إقرار قوانين تعطي لأميركا الحق في إلغاء الحصانة السيادية للدول الأخرى. لكنه منذ 23 مايو الماضي حيث أقر مجلس النواب الأميركي مشروع هذا القانون بأغلبية 345 مقابل 72، يبدو أنه في طريقه إلى الإقرار النهائي بالرغم ما يلمح به الرئيس من إمكانية اعتراضه.

يقضي هذا القانون بإمكانية الملاحقة القضائية للبلدان الأجنبية التي تقدم على تشكيل منظمات من طراز أوبك في مجال استخراج أو توزيع النفط والغاز أو أي منتج نفطي آخر. وان هذه الدول ستحرم من إمكانية استخدامها لحق الحصانة السيادية، وبذلك يحق للمدعي العام الأميركي ملاحقة هذه الدول في أي من المحاكم الأميركية بموجب قوانين مكافحة الاحتكار.

من وجهة نظر القانون الدولي يشكل هذا القانون خرقا فاضحا لأهم مبادئه (المساواة السيادية بين الدول). فليس لأحد المتساوين أية سلطات على أنداده الآخرين، ولذلك لا يستطيع أن يبسط حكم محاكمه على الدول الأجنبية الأخرى. إنها الحالة الأولى في التاريخ، حيث تحاول أميركا فرض قوانينها الخاصة على بقية العالم.

وفي هذا، يقول سيرغي ليبيديف، الفيلسوف وعالم السياسة في بترسبورغ تعبيرا إضافيا عن الوقاحة الأميركية واعتقادها بأن كل العالم يجب أن يعيش بموجب القوانين الأميركية. كما أنه يتناقض ومبادئ حرية السوق التي تنادي بها الولايات المتحدة، إذ تفترض هذه الحرية اندماج الشركات فيما بينها وقيام التحالفات، ما لا يعني قيام احتكار جديد كما تزعم أميركا.

مراقبون فهموا السعي لإقرار هذا القانون على أنه ضربة استباقية لاعتراض محاولات الدول المنتجة والمصدرة للغاز لتشكيل كارتيلا لها شبيها بأوبك، وضد محاولات بلدان أميركا اللاتينية لبناء ما سمي بالحزام الأحمر بإقامة أشكال من التحالفات النفطية من أجل أسعار عادلة للنفط.

في جلسة استماع للكونغرس الأميركي حول أسعار النفط سمع العالم التبرير الأهم لهذه الخطوة من رئيس اللجنة القانونية لمجلس الشيوخ جون كونرس حين قال بأن حصة أوبك تصل إلى 70% من صادرات النفط العالمية ما يسمح لهذا الكارتيل بالتحكم في السوق العالمي.

وان الدول الأعضاء في أوبك حققت في هذا العام دخلا بلغ 395 مليار دولار، وأصبحوا يبدون تأثيرا قويا على أسواق النفط، خصوصا في الحالات التي يقررون فيها خفض الإنتاج. وقال بأنهم كثيرا ما انتقدوا أوبك إلا أن أيا من ممثلي الإدارات الأميركية لم يتخذ أي إجراء.

هذا التخويف في غير محله. فإذا كانت أوبك بلغت ذروة مجدها خلال سبعينات القرن العشرين، حيث استطاعت أن ترفع أسعار النفط إلى عشرة أضعافها، إلا أنها لم تعد الآن على ذلك القدر من التأثير. فخلال الثلاثين عاما الماضية تم تشكيل عدة منظمات إقليمية، كما فعلت بريطانيا والنرويج، أضعفت من تأثير أوبك في سوق النفط العالمية.

كما أن مشروع قانون النفط العراقي الجديد بإعطاء الشركات حق تسعير النفط يستهدف فيما يستهدف ليس إحكام السيطرة على نفط العراق باحتياطياته الهائلة، بل شل أحد أعضاء أوبك وإضعاف دورها في سوق النفط العالمية. وقد سبق وأن جرى الحديث عن هذا الهدف من الأيام الأولى للحرب على العراق في مارس 2003. وقد أصبح واضحا أن سياسة إنتاج أوبك ليست هي تحديد الأسعار في سوق النفط العالمية الراهنة.

إذن، هل الدافع هو السعي للاستحواذ على احتياطيات النفط والاستئثار بها قبل نفادها؟ المعطيات العلمية تدحض ذلك أيضا. ففي عام 1984 قدرت إدارة الخدمة الجيولوجية الأميركية (USGS) الاحتياطيات الجيولوجية النفطية القابلة للاستخراج بـ 2 تريليون برميل.

وفي عام 2000 صححت (USGS) هذه التقديرات إلى 3 تريليونات برميل. وهكذا فخلال 16 عاما تم بفضل تكنولوجيات الاستكشاف الجديدة فقط جعل أكثر من 1 تريليون برميل إضافية من النفط قابلة للاستخراج. كما قدرت ExxonMobil الاحتياطيات الابتدائية من النفط التقليدي في عام 2006 بـ 2 ,3 تريليونات برميل، تم استخراج ثلثها. لكن المصادر الإضافية الأخرى كمكامن النفط الثقيل تضيف إلى تلك الاحتياطيات تريليون برميل أخرى. وبهذا لا تزال القاعدة الخام لاستخراج النفط أكثر من كافية لتغطية احتياجات العالم، ومع التطور اللاحق لتكنولوجيات الاستكشاف قد تصبح أكثر.

بقي استنتاج واحد صحيح، وهو أن هذا القانون يعبر عن هلع الولايات المتحدة من احتمال فقدان سيطرتها على الاقتصاد العالمي، وتزعزع مكانتها المناقضة لطبيعة الأمور كقطب أوحد في العالم. ووراء صياغة سياستها الخارجية تجاه العالم تنطلق أميركا من أيديولوجية عنصرية كانت في الأصل وراء تبرير فكرة اعتبار بعض مناطق العالم تمثل مصالح حيوية أميركية.

ولذلك أدرجت ضمن استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة منذ الثمانينات. كان التبرير يقول بأن النفط ثروة عالمية. لكن احتياطياته موزعة في باطن الأرض توزيعا غير عادل. فهو متركز في أراضي البلدان غير المتحضرة، بينما التي تحتاجه هي البلدان المتحضرة.

لو أن هذا الحكم سرى على كل ثروات العالم الأخرى، وسخرت لتضييق تفاوت التطور بين بلدان وشعوب العالم لما اعترض أحد يؤمن بوحدة العالم ومصلحة البشرية في التطور المشترك. لكن الحكومة العالمية تسعى ليس لإخضاع بلدان النفط لسيطرتها فقط، بل والبلدان المستهلكة للنفط أيضا. وفي هذا يتجلى الجوهر العنصري لقانون النفط الأميركي تجاه العالم غير الأميركي.

(الرسم المرفق من موقع صحيفة نيويورك تايمز يوم إقرار مجلس النواب الأميركي لمشروع القانون)

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com