مازال مشهد الحرب الأهلية يحوم على لبنان رغم المجهودات المبذولة دولياً وعربياً لإعادة القطار إلى السكة، فتحذيرات وزير الخارجية الفرنسي برنارد كوشنير من عودة الحرب مجددا إلى المنطقة نابعة أساساً من يقينه التام أن الوضع يتجه إلى الأسوأ إذا استمر التعاطي مع كل هذه الجهود بما يعيق علاج الأزمة.
الجمود السياسي، وانسداد أفق الحل، والتخوف من انفلات أمني، وصيف ساخن يواكب الاستحقاقات الداخلية، لا سيما منها رئاسة الجمهورية، إضافة إلى التطورات الإقليمية والدولية... هي العناوين التي تميز هذه المرحلة بعدما تعثرت المساعي الفرنسية ومساعي جامعة الدولة العربية، وتبقى الآمال معلقة على الاجتماع الرباعي في القاهرة برعاية الجامعة العربية والذي سيحضره كوشنير لإيجاد سبل لبعث الحوار اللبناني، من خلال كسر الجليد بين طرفي الموالاة والمعارضة، وفتح قنوات لاستعادة الثقة المفقودة بينهما بما يساهم في ترتيب البيت اللبناني من جديد.
فقد شهد لبنان مرحلة جديدة من المعالجات السياسية والدبلوماسية للأزمة اللبنانية، في لقاء «سان كلو» الفرنسي التحضير والإعداد. ويرصد المراقبون مدى انخفاض مستوى التراشق الإعلامي اليومي بين الفرقاء السياسيين، بناء لما تسرب عن توافقهم في لقاء باريس على مدوّنة شرف لتخفيف الحملات الإعلامية.
وتثبيت نقاط الاتفاق التي أقرتها هيئة الحوار الوطني والتأكيد على تمسك الجميع بالدستور والعمل على تعزيز الدولة ومؤسساتها. لكن الوعود التي قطعها الفرقاء اللبنانيون على طاولة الحوار في «سان كلو» بتجاوز الخلافات، سريعاً تبخرت مع عودتهم إلى بيروت بعودة السجال السياسي من جديد.
حالة التوتر السياسي التي ترافق زيارة كوشنير جراء أجواء الانتخابات الفرعية، ستكون أيضا مؤثرة على جو المفاوضات في لبنان سيما أن المواقف تشير إلى حصول معركة ساخنة في المتن في وقت بدا ان المساعي التي يقوم بها البطريرك صفير لتأجيل الانتخابات او تزكية المرشح أمين الجميل وصلت إلى حائط مسدود.
يتبين مما تقدم أن لعبة شراء الوقت مستمرة، وان خيار الانتظار ما زال الخيار الوحيد أمام اللبنانيين، ولكن يبدو ان عامل ضيق الوقت بدأ يضغط بشدّة على الجميع بسبب اقتراب مواعيد الاستحقاقات المفصلية وفي طليعتها استحقاق الانتخاب الرئاسي، فهل لبنان ذاهب إلى انتخاب رئيسين للجمهورية كما تخوّف البطريرك صفير في حال عدم التزام نصاب الثلثين لجلسة انتخابات الرئاسة؟ أم انه ذاهب إلى قيام حكومتين؟
أم نقف على أبواب فتنة أو حرب أهلية بسبب انعدام التوافق الداخلي على تأليف حكومة وحدة وطنية وعلى رئيس جمهورية جديد؟ وإذا كان حجم الصراع الدائر في المنطقة ـ رغم الحركة الدبلوماسية النشطة ـ قد بلغ مرحلة قد تتعذر معها التسويات، فهل يتمكن العقلاء في الداخل اللبناني من وقف الانقسام والتباين والسعي إلى الحلول الوسطية ليحفظوا لبنان ويجنبوه شبح الحرب الأهلية؟
ان تحذير كوشنير من حرب أهلية هو دق لناقوس الخطر الذي يقتضي أن يلفت انتباه اللبنانيين جميعا حكومة ومعارضة، ليعملوا سويا من خلال حوار بناء للعودة بلبنان إلى سابق عهده.. نموذجا للوحدة في إطار التعدد، والتعايش رغم التنوع.
