الشمس دائما تشرق من الشرق وتغرب في الغرب.. حقيقة ثابتة منذ بدأ الكون واستمرت في ثباتها على مر الأيام والأعوام والأزمان.. ولن يستطيع أحد في الغرب مهما امتلك من وسائل الدعاية المغرضة أو القوة الغاشمة أن يمنع شروق الشمس من الشرق بصاروخ عابر للقارات، كما لن يستطيع أحد في الشرق أن يخفي حقيقة ضوء الشمس بغربال!
وعندما يقول الناس في كل أنحاء العالم «أم الدنيا» نعرف على الفور أنهم يقصدون «مصر»، أول دولة منذ فجر التاريخ، وأعرق حضارة إنسانية في المعمورة، وعندما يتحدث المؤرخون وليس الدعائيين عن «عجيبة العجائب» في العالم نفهم دون عناء أنهم يشيرون إلى «الأهرام»، ذلك الصرح العمراني الشامخ والصامد العالي في مبناه والغالي في معناه.
ولا أحد من المراجع التاريخية التي يعتد بها في العالم، بدءاً من المؤرخ اليوناني الأوروبي الأكبر «هيرودوت»، ومرورا بالعالم الأوروبي الغربي الأشهر «كاليماخوس»، وانتهاء بالمراجع الأكاديمية الأخبر لمنظمة اليونسكو الدولية، أنكر بالأمس أو ينكر اليوم القيمة العالمية الحضارية والمدنية لتلك المعجزة الفريدة الخالدة.
والشعب المصري الذي عرف الزراعة والعمارة فشيد الحضارة على ضفاف وادي النيل الخصب هو جزء من شعوب الشرق العظيم، مهد أعرق الحضارات الإنسانية في العراق والشام واليمن بل وفي الهند والصين وإيران، ومنبع الأنبياء العظام في الجزيرة العربية وفلسطين ومصر، ومهبط الرسالات الدينية الثلاث بقيمها الروحية السماوية بدءاً من اليهودية ومرورا بالمسيحية وختاما بالإسلام.
لقد اكتشف الشعب المصري في الشرق منذ أربعة آلاف سنة علوم الهندسة والطب والفلك والزراعة، وفنون الكتابة والرسم والتجميل والعمارة، وبرع منه النساء والرجال في الخيال والجمال، فصنع الحضارة وسطر التاريخ وصاغ معالم المدنية قبل أن تعرف شعوب الغرب أي شكل من أشكال الحضارة أو المدنية بمئات السنين.
ويبقى الكاتب المصري «واحدا من أبرز شخصياته وأروع تماثيله، ويظل الفلاح الفصيح واحدا من أشجع مواطنيه في مواجهة الفرعون، وأول حكامه هو الملك «مينا» الذي وحد الشمال والجنوب، وأبرز أبطاله هو الملك «أحمس» الذي حرر مصر من الغزاة الهكسوس، وأول أباطرته هو الملك «رمسيس» الذي انتصر على الحثيين في الأناضول وشيد الإمبراطورية الأولى في آسيا وإفريقيا، وأبرز فلاسفته هو «إخناتون» الذي بشر بفكرة التوحيد، وبقيت زوجته «نفرتيتي» رمزاً لجمال المرأة المصرية، وبقيت «حتشبسوت» رمزاً لقيادية المرأة المصرية التي حكمت البلاد وتواصلت مع الجيران الأفارقة في السودان والصومال «بلاد بونت».
وبعد أربعة آلاف عام من بناء «الأهرام» على أيدي بنائيها المصريين العظام، بدافع الإيمان بعقيدة البعث في الحياة الآخرة، وليس بسوط السخرة التي حفر بها أحفادهم المساكين من الفلاحين بقهر المستعمرين الأوروبيين وخنوع حكامه المستبدين «قناة السويس»، فهل يعقل ولا يقبل أن يتولى بعض حديثي الولادة من الهواة والسائحين الأوروبيين وزبائن مواقع «الشات» على الإنترنت وليس من المؤرخين ولا الأكاديميين ولا الباحثين، تقييم حضارة المتحضرين في العالم؟!
وفي الحقيقة لم يجرؤ عالم من العلماء ولا مؤرخ من المؤرخين ولا آثاري من الآثاريين المحترمين، لا من القدامى ولا من المحدثين من الشرقيين أو الغربيين، على القول بغير الحقيقة الثابتة والساطعة كالشمس التي تشرق من الشرق بأن الأهرام التي بناها المصريون بعثا للموت هي «عجيبة العجائب»، مثلما استطاع أحفادهم من العمال الأحرار تكرار المعجزة ببناء «السد العالي» بعثا للحياة بأهرام القرن العشرين.
ولأنه من الثابت أن الأشجار العالية لا بد لها من جذور عميقة مثلها مثل الحضارات بصروحها العالية وجذورها الباقية، فإن من لا ماضي له لا مستقبل له، ومن لا جذور له لا قدرة له على الاستمرار في التطاول والنماء مهما امتلك في الحاضر من العلوم التكنولوجية والقوة العسكرية والثروة المادية الدافعة إلى الظلم والاحتلال والتدمير، في غياب مبادئ المدنية والقيم الروحية والمعاني الإنسانية الدافعة إلى العدالة والاستقلال والتعمير.